رد شبهات حول اهل الذمه في الاسلام

User Rating:  / 0
PoorBest 

برغم هذه الصحائف المشرقة من مبادئ العدالة والسماحة التي جاء بها الإسلام، وبرغم هذا التاريخ الحافل بالتسامح الفذ في شتًى صوره ومظاهره رأينا بعض المستشرقين أثاروا بعض شبهات جمعوها من هنا وهناك وحسبوها تشوه هذا التاريخ الرائع. والحقيقة أن هذه المسائل التي أثيرت حولها تلك الشبهات لو فهمت على وجهها، ووضعت في حدود زمنها وإطارها التاريخي لم تخرج عن حدود العدل الذي حرص عليه الإسلام كل الحرص في علاقاته مع أهل الذمة.

قضية الجزية

فمن هذه الشبهات التي يثيرها المبشرون والمستشرقون قضية الجزية التي غُلِّفت بظلال كئيبة، وتفسيرات سوداء، جعلت أهل الذمة يفزعون من مجرد ذكر اسمها، فهي في نظرهم ضريبة ذل وهوان، وعقوبة فُرِضت عليهم مقابل الامتناع عن الإسلام.
وقد بيَّنتُ فيما سبق وجه إيجاب الجزية على الذميين، وأنها بدل عن فريضتين فُرِضتا على المسلمين وهما: فريضة الجهاد وفريضة الزكاة، ونظرًا للطبيعة الدينية لهاتين الفريضتين لم يُلزم بهما غير المسلمين.
على أنه في حالة اشتراك الذميين في الخدمة العسكرية والدفاع عن الحَوْزَة مع المسلمين فإن الجزية تسقط عنهم.
كما أني بحثت في كتابي "فقه الزكاة" مدى جواز أخذ ضريبة من أهل الذمة بمقدار الزكاة، ليتساووا بالمسلمين في الالتزامات المالية، وإن لم تُسمَّ "زكاة" نظرًا لحساسية هذا العنوان بالنظر إلى الفريقين. ولا يلزم أيضًا أن تسمى "جزية" ماداموا يأنفون من ذلك. وقد أخذ عمر من نصارى بنى تغلب الجزية باسم الصدقة تألفًا لهم، واعتبارًا بالمسميات لا بالأسماء (انظر كتابنا فقه الزكاة ج 1 ص 98-104).
وزيادة في الإيضاح والبيان، ودفعًا لكل شبهة، وردًا لأية فرية، يسرني أن أسجل هنا ما كتبه المؤرخ المعروف سير توماس و. أرنولد في كتابه "الدعوة إلى الإسلام" عن الغرض من فرض الجزية وعلى مَن فُرضت. قال: (الدعوة إلى الإسلام ص 79-81 ط. ثالثة ـ مكتبة النهضة ـ ترجمة الدكاترة : حسن إبراهيم حسن، وإسماعيل النحراوي، وعبد المجيد عابدين). "ولم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين ـ كما يريدنا بعض الباحثين على الظن ـ لونًا من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام، وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة. وهم غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش، في مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين. ولما قَدَّمَ أهل الحيرة المال المتفق عليه، ذكروا صراحة أنهم دفعوا هذه الجزية على شريطة: "أن يمنعونا وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم" (الطبري ج1 ص2055).
كذلك حدث أن سجل خالد في المعاهدة التي أبرمها مع بعض أهالي المدن المجاورة للحيرة قوله: "فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا" (الطبري ج1 ص2050).
ويمكن الحكم على مدى اعتراف المسلمين الصريح بهذا الشرط، من تلك الحادثة التي وقعت في عهد الخليفة عمر. لما حشد الإمبراطور هرقل جيشًا ضخمًا لصد قوات المسلمين المحتلة، كان لزامًا على المسلمين ـ نتيجة لما حدث ـ أن يركزوا كل نشاطهم في المعركة التي أحدقت بهم. فلما علم بذلك أبو عبيدة قائد العرب كتب إلى عمال المدن المفتوحة في الشام يأمرهم برد ما جُبىِ من الجزية من هذه المدن، وكتب إلى الناس يقول: "إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جُمع لنا من الجموع، وأنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وإنّا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط، وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم". وبذلك ردت مبالغ طائلة من مال الدولة، فدعا المسيحيون بالبركة لرؤساء المسلمين، وقالوا: "ردكم الله علينا، ونصركم عليهم (أي على الروم).. فلو كانوا هم، لم يردوا علينا شيئًا، وأخذوا كل شيء بقي لنا". (أبو يوسف ص81).
وقد فُرِضت الجزية ـ كما ذكرنا ـ على القادرين من الذكور مقابل الخدمة العسكرية التي كانوا يطالبون بها لو كانوا مسلمين، ومن الواضح أن أي جماعة مسيحية كانت تعفى من أداء هذه الضريبة إذا ما دخلت في خدمة الجيش الإسلامي وكانت الحال على هذا النحو مع قبيلة (الجراجمة) وهي مسيحية كانت تقيم بجوار أنطاكية، سالمت المسلمين وتعهدت أن تكون عونًا لهم، وأن تقاتل معهم في مغازيهم، على شريطة ألا تؤخذ بالجزية، وأن تعطى نصيبها من الغنائم. (البلاذري ص159 -ص217و . 22ط، بيروت).
ولما اندفعت الفتوح الإسلامية إلى شمال فارس سنة 22هـ، أبرم مثل هذا الحلف مع إحدى القبائل التي تقيم على حدود تلك البلاد، وأُعفيت من أداء الجزية مقابل الخدمة العسكرية. (الطبري جـ1 ص2665).
ونجد أمثلة شبيهة بهذه للإعفاء من الجزية في حالة المسيحيين الذين عملوا في الجيش أو الأسطول في ظل الحكم التركي. مثال ذلك ما عومل به أهل ميغاريا (Migaria ) وهم جماعة من مسيحي ألبانيا الذين أعفوا من أداء هذه الضريبة على شريطة أن يقدموا جماعة من الرجال المسلحين لحراسة الدروب على جبال (Cithaeron) و (Geraned) التي كانت تؤدى إلى خليج كورنته، وكان المسيحيون الذين استخدموا طلائع لمقدمة الجيش التركي، لإصلاح الطرق وإقامة الجسور، قد أعفوا من أداء الخراج، ومُنِحوا هبات من الأرض معفاة من جميع الضرائب. (وهو يسميهم: Mncellim،Marsigli vol.i.,p 86).
وكذلك لم يدفع أهالي (Hydra) المسيحيون ضرائب مباشرة للسلطان، وإنما قدموا مقابلها فرقة من مائتين وخمسين من أشداء رجال الأسطول، كان ينفق عليهم من بيت المال في تلك الناحية. (Finlay Vol vi, pp 30 - 33).
وقد أعفي أيضًا من الضريبة أهالي رومانيا الجنوبية الذين يطلق عليهم (Armatoli)ه(Lazar, p56) وكانوا يؤلفون عنصرًا هامًا من عناصر القوة في الجيش التركي خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، ثم المرديون (Mirdites) وهم قبيلة كاثولوليكية ألبانية كانت تحتل الجبال الواقعة شمال إسكدرا (Scutari) وكان ذلك على شريطة أن يقدموا فرقة مسلحة في زمن الحرب.(De Lajanquiere p14) وبتلك الروح ذاتها لم تقرر جزية الرؤوس على نصارى الإغريق الذين أشرفوا على القناطر (هي نوع من القناطر تقام على أعمدة لتوصيل مياه الشرب إلى المدن، وقد كانت شائعة في الدولة الرومانية منذ القرن الأول الميلادي) التي أمدت القسطنطينية بماء الشرب (Thomas Smith, p 324) ولا على الذين كانوا في حراسة مستودعات البارود في تلك المدينة (Dorostamus, p 326) نظرًا إلى ما قدموه للدولة من خدمات. ومن جهة أخرى أعفى الفلاحون المصريون من الخدمة العسكرية على الرغم من أنهم كانوا على الإسلام، وفرضت عليهم الجزية في نظير ذلك، كما فرضت على المسيحيين. (De Lajanquuiere, P 265 ).
هذا ما سجله المؤرخ المنصف توماس أرنولد مُؤيدًا بالأدلة والمراجع الموثقة.

إلى الفهرس

ختم رقاب أهل الذمة

ومن هذه الشبهات مسألة ختم رقاب أهل الذمة، وشبهتهم هذه تقوم على تصوير الأمر كما يلي:
1. إن هذا الختم أمر دائم ومستمر.
2. إن المسلمين هم مبتكرو هذا النظام.
3. إنه يحمل صورة الإذلال والاضطهاد لأهل الذمة.
والحقيقة أن هذه الأمور الثلاثة غير صحيحة، كما بين ذلك المنصفون من مؤرخي المستشرقين أنفسهم الذين درسوا قضية أهل الذمة درسًا فاحصًا.
ومن أبرز هؤلاء المستشرق "ترتون" صاحب كتاب "أهل الذمة في الإسلام".
وأما الأمر الأول فقد ذكر اليعقوبي المؤرخ: إن ختم الرقاب كان وقت جباية جزية رؤوسهم ثم تكسر الخواتيم (تاريخ اليعقوبي جـ2 ص . 13 نقلاً عن "الإسلام وأهل الذمة" ص71) وقال أبو يوسف: ينبغي أن تختم رقابهم في وقت جباية جزية رؤوسهم، حتى يفرغ من عرضهم ثم تكسر الخواتيم. (الخراج لأبي يوسف ص72 ـ نفس المصدر).
وأما الأمر الثاني فيقول "ترتون" : من الحق ألا نحمل العرب وزر هذا العيب إذ لم يكونوا فيه إلا مقلدين لما اتبعه البيزنطيون قبلهم. (أهل الذمة في الإسلام ص132 ـ نفس المصدر).
وأما الأمر الثالث فيذكر الدكتور على حسن الخربوطلي في كتابه "الإسلام وأهل الذمة" (ص72 طبع مطابع شركة الإعلانات الشرقية) أن السياسة التي سار عليها المسلمون في ختم الرقاب وقت تأدية الجزية ـ جريًا على ما كان متبعًا عند الرومان البيزنطيين ـ ليست صورة لاضطهاد أو إذلال، ولكنها ـ كما يقول الدكتور بحق ـ وسيلة لمعرفة وتمييز من أدى الضريبة ومن لم يؤدها، وخاصة أن الطباعة لم تكن قد ظهرت بعد، وكان من العسير تدوين إيصالات واضحة ثابتة تثبت تأدية الجزية ولا يمكن تزييفها، وما زالت بعض الدول الإفريقية والآسيوية في القرن العشرين تتبع هذه السياسة في الانتخابات فيقومون بختم أيدي الناخبين بنوع من الأختام لا تزول إلا بعد يومين أو أكثر، حتى لا يعطى صوته أكثر من مرة.

إلى الفهرس

ملابس أهل الذمة وأزياؤهم

ومن هذه الشبهات التي ضخمها المستشرقون ما يتعلق بملابس أهل الذمة وأزيائهم، وما روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشترط عليهم ألا يتشبهوا بالمسلمين في ثيابهم وسروجهم ونعالهم، وأن يضعوا في أوساطهم أو على أكتافهم شارات معينة تميزهم عن المسلمين. وينسب ذلك إلى عمر بن عبد العزيز أيضًا.
ومن المستشرقين المؤرخين من يتشكك في نسبة الشروط أو الأوامر المتعلقة بالزي إلى الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لأن كتب المؤرخين الأقدمين الموثوق بها، والتي عنيت بمثل هذه الأمور، لم تشتمل عليها (كتب الطبري، والبلاذري، وابن الأثير، واليعقوبي... وغيرهم). (انظر الإسلام وأهل الذمة ص84 - 85).
على أن الأمر أهون من أن يُتكلف إنكاره ورده، لو عُرِفت دواعيه وأسبابه، وعرفت الملابسات التاريخية التي وجد فيها.
فهو ليس أمرًا دينيًا يُتعبد به في كل زمان ومكان كما فهم ذلك جماعة من الفقهاء وظنوه شرعًا لازمًا، وهو ليس أكثر من أمر من أوامر السلطة الشرعية الحاكمة يتعلق بمصلحة زمنية للمجتمع آنذاك ولا مانع من أن تتغير هذه المصلحة في زمن آخر، وحال أخرى، فيُلغى هذا الأمر أو يُعدّل.
لقد كان هذا التمييز بين الناس تبعًا لأديانهم أمرًا ضروريًا في ذلك الوقت، وكان أهل الأديان أنفسهم حريصين عليه، ولم يكن هناك وسيلة للتمييزغير الزي، حيث لم يكن لديهم نظام البطاقات الشخصية في عصرنا، التي يسجل فيها ـ مع اسم الشخص ولقبه ـ دينه وحتى مذهبه، فالحاجة إلى التمييز وحدها هي التي دفعت إلى إصدار تلك الأوامر والقرارات. ولهذا لا نرى في عصرنا أحدًا من فقهاء المسلمين يرى ما رآه الأولون من وجوب التمييز في الزي لعدم الحاجة إليه.
ويسرني أن أنقل هنا ما كتبه الدكتور الخربوطلي في توضيح هذه القصة ودوافعها، فقد قال (الإسلام وأهل الذمة ص86 - 78) : "ونحن نرى أنه لو افترضنا جدلاً حقيقة هذه الأوامر الصادرة عن الخليفتين، فقد كان هذا لا غبار عليه، فهو نوع من التحديد للملابس في نطاق الحياة الاجتماعية، للتمييز بين أصحاب الأديان المختلفة، وخاصة أننا في وقت مبكر من التاريخ، ليس فيه بطاقات تثبت الشخصية، وما تحمله عادة من تحديد الجنسية والدين والعمر وغير ذلك، فقد كانت الملابس المتميزة هي الوسيلة الوحيدة لإثبات دين كل من يرتديها، وكان للعرب المسلمين ملابسهم، كما للنصارى ِأو اليهود أو المجوس ملابسهم أيضًا، وإذا كان المستشرقون قد اعتبروا أن تحديد شكل ولون الثياب هو من مظاهر الاضطهاد فنحن نقول لهم: إن الاضطهاد في هذه الصورة يكون قد لحق بالمسلمين وأهل الذمة على السواء. وإذا كان الخلفاء ينصحون العرب والمسلمين بألا يتشبهوا بغيرهم، فمن المنطقي أن يأمروا غير العرب وغير المسلمين ألا يتشبهوا بالعرب المسلمين".
وناقش المؤرخ "ترتون" (أهل الذمة في الإسلام) هذه المسألة أيضًا، وأبدى رأيه فيها فقال: "كان الغرض من القواعد المتعلقة بالملابس سهولة التمييز بين النصارى والعرب وهذا أمر لا يرقى إليه الشك. بل نراه مقررًا تقريرًا أكيدًا عند كل من أبي يوسف (أبو يوسف : الخراج ص72) وابن عبد الحكم (ابن عبد الحكم : فتوح مصر ص151) وهما من أقدم الكُتَّاب الذين وصلت كتبهم إلينا، على أنه يجب أن نلاحظ أنه لم تكن ثمة ضرورة وقت الفتح لإلزام النصارى بلبس معين من الثياب يخالف ما يلبسه المسلمون، إذ كان لكل من الفريقين وقتذاك ثيابه الخاصة، وكان النصارى يفعلون ذلك من تلقاء أنفسهم دون جبر أو إلزام، على أن الحاجة استلزمت هذه الفروض فيما بعد، حين أخذ العرب بحظ من التمدن إذ حمل الإغراء الشعوب الخاضعة لهم على الاقتداء بهم في ملابسهم، والتشبه في ثيابهم.
ومهما يكن الرأي فإن كانت هذه الأوامر التي تحدد أنواع وأشكال الملابس حقيقية، فإنها لم توضع موضع التنفيذ في معظم العصور التاريخية.
وهناك فرق بين وجود القانون ومدى تطبيق هذا القانون، فقد انتهج معظم الخلفاء، والولاة المسلمين سياسة تسامح وإخاء ومساواة، ولم يتدخلوا كثيرًا في تحديد ملابس أهل الذمة ولم ترتفع أصوات مطلقًا بالشكوى أو الاحتجاج.
وهناك أدلة تاريخية تثبت هذا الحقائق التي ذكرناها، فقد كان الأخطل الشاعر النصراني (المتوفي سنة 95هـ) يدخل على الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وعليه جبة وحرز من الخز، وفي عنقه سلسلة بها صليب من الذهب، وتتعصر لحيته خمرًا (الأصفهاني : الأغاني جـ7 ص169 -وفي النفس شيء من صحة هذا الخبر . ولا غرو فهو من أخبار "الأغاني" التي لا يعول عليها كثيرًا ولو صح لدل على تهاون الخليفة أكثر من دلالته على تسامحه). ويحسن الخليفة استقباله، كما أن الاتفاقية التي وقعها المسلمون في سنة 98هـ مع "الجراجمة" المسيحيين الذين يسكنون المناطق الجبلية من بلاد الشام تضمنت النص على أن يلبس الجراجمة لباس المسلمين. (البلاذري : فتوح البلدان ص161 -ص22 ط بيروت).
تحدَّث أبو يوسف عن لباس أهل الذمة وزيهم فقال: "لا يُترك أحد منهم يتشبه بالمسلمين في لباسه، ولا في مركبه، ولا في هيئته". واعتمد أبو يوسف في تفسير ذلك على قول عمر بن الخطاب: "حتى يُعرف زيهم من زي المسلمين". أي أنه لا اضطهاد في الأمر إنما هي وسيلة اجتماعية للتمييز، مثلما نرى اليوم في كل مجتمع حديث من تعدد الأزياء، لكل طائفة أو أصحاب حرفة أو مهنة زي واحد يميزهم.

إلى الفهرس

حوادث الشغـب والهياج على النصارى

إن تاريخ التسامح الإسلامي مع أهل الأديان الأخرى تاريخ ناصع البياض، وقد رأينا كيف عاش هؤلاء في غاية من الأمان والحرية والكرامة باعتراف المؤرخين المنصفين من الغربيين أنفسهم، ولكن قومًا لبسوا مسوح العلم يريدون أن يُقَوِّلوا هذا التاريخ ما لم يقله، ويحمِّلوه ما لم يحمله، عنوة وافتعالاً، يصطادون في الماء العكر.
وفي سبيل هذه الغاية الشريرة جَهِدوا جَهْدهم أن يشوهوا تاريخ التسامح الإسلامي الذي لم تعرف له الإنسانية نظيرًا. متذرعين بحوادث جزئية قام بها بعض العوام أو الرعاع في بعض البلاد، وبعض الأزمان، نتيجة لظروف وأسباب خاصة. تحدث في كل بلاد الدنيا إلى يومنا هذا.
من هذه الأسباب أن التسامح الإسلامي هيأ لكثير من أهل الذمة مراكز قوية في النواحي المالية والإدارية، فلم يحسنوا معاملة المسلمين، بل أظهروا التسلط والتعنت والجبروت.
وفي هذا يقول "متز": وكانت الحركات التي يُقصد بها مقاومة النصارى موجهة أولاً إلى محاربة تسلط أهل الذمة على المسلمين. (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري جـ1 ص106).
ويقول أيضًا: إن أكثر الفتن التي وقعت بين النصارى والمسلمين بمصر ـ يعني في القرون الأولى ـ نشأت عن تجبر المتصرفين الأقباط. (الحضارة الإسلامية ـ المرجع السابق ص112).
ومن الأسباب تضخم الثروات لدى كثير من غير المسلمين بصورة أثارت الجماهير المسلمة التي كانت ترى ـ فيما يبدو لنا ـ أن جُلَّ هذه الثروات جُمعت بغير حق، وأُخذت منها بطريق غير مباشر (فقد كان أكثرها من عطايا الخلفاء والولاة). فمشاعر السخط هنا أقرب إلى المشاعر الطبقية، منها إلى المشاعر الدينية. لنأخذ هذا المثال الذي ذكره "أرنولد" في كتابه "الدعوة إلى الإسلام": رجل مسيحي من مدينة "الرها" يدعى "أثناس" اختاره عبد الملك بن مروان ـ الخليفة الأموي ـ ليكون مؤدبًا لأخيه عبد العزيز ـ وقد رافق أثناس هذا تلميذه إلى مصر عندما عُيِّن واليًا عليها. ويبدو أنه استغل منزلته لدى الوالي، فجمع ثروة طائلة هناك، قيل: إنه امتلك أربعة آلاف من العبيد، كما ملك كثيرًا من الدور والبساتين، وكان الذهب والفضة عنده "كأنها الحصى" ـ على حد تعبير أرنولد. وكان أولاده يأخذون من كل جندي دينارًا عندما يتسلم راتبه. ولما كان جيش مصر قد بلغ حينذاك (30000) ثلاثين ألف جندي فإنه من الممكن أن تُكَوَّنُ فكرة عن الثروة التي جمعها "أثناس" خلال الإحدى والعشرين سنة التي قضاها في هذه البلاد. (الدعوة إلى الإسلام ص81، 82 ط . ثالثة).
ويقول السير "توماس وأرنولد": "وكثيرًا ما جمع الأطباء المسيحيون بوجه خاص ثروات ضخمة. ولقوا تكريمًا كبيرًا في بيوت العظماء. فجبريل الذي اتخذه الخليفة هارون الرشيد طبيبًا خاصًا، كان مسيحيًا نسطوريًا، بلغ إيراده السنوي (800000) ثمانمائة ألف درهم من أملاكه الخاصة فضلاً عن راتب قدره (280000) درهم في السنة مقابل عنايته بمعالجة الخليفة.. وكان الطبيب الثاني ـ وهو نصراني أيضًا ـ يتقاضى (22000) درهم في السنة.. وكان المسيحيون يجمعون أموالاً وفيرة من احترافهم الصناعة والتجارة.
والواقع أن هذه الثروة هي التي طالما أثارت طمع الدهماء الذي يقوم على الحسد ـ وهو شعور دفع المتعصبين من المسلمين إلى انتهاز هذه الفرصة، لاضطهادهم وإيقاع الظلم بهم (الدعوة إلى الإسلام ـ المرجع السابق ص 82، 83).
ومن هذه الأسباب أن بعض النصارى كانوا يُبدون ارتياحًا إذا انتصر الروم النصارى على المسلمين، فيؤدي إلى ذلك هياج العوام عليهم.
بل إن بعض النصارى في دمشق وبلاد الشام أظهروا السرور والشماتة والاستعلاء على مواطنيهم المسلمين، عندما انتصر التتار الوثنيون عليهم، وهم غزاة أجانب مشركون، حتى إنهم رشُّوا بعض المساجد بالخمر ـ التي يعتقد المسلمون نجاستها ـ نكاية لهم، ووقوفًا في صف أعدائهم.
ولا ننكر أن هناك حُكامًا ظلموا أهل الذمة أو شدَّدوا عليهم، ولكن مثل هذا يعتبر شذوذًا من القاعدة العامة في التسامح الإسلامي مع غير المسلمين، وفي الغالب أن هذا النوع من الحكام يظلم المسلمين قبل اليهود والنصارى، فإن الظالم لا يقف ظلمه عند حد.
بل إن كثيرًا من ظُلاَّم الحكام كان يرفق بأهل الذمة رعاية لذمتهم، على حين يقسو على أهل ملتهم من المسلمين ويحيف عليهم، حتى وجدنا الشيخ الدردير علاَّمة المالكية وشيخ علماء عصره في مصر، يذكر عن أمراء زمانه: أنهم أعزوا أهل الذمة ورفعوهم على المسلمين. حتى يقول: ويا ليت المسلمين عندهم كمعشار أهل الذمة‍! وترى المسلمين كثيرًا ما يقولون: ليت الأمراء يضربون علينا الجزية كالنصارى واليهود. ويتركونا بعد ذلك كما تركوهم! (وَسَيَعْلَمُ الَّذيِنَ ظَلَمُواْ أيَّ مُنقَلَبٍ ينَقَلُبونَ) .أ.هـ (من الشرح الصغير للدردير المطبوع مع حاشيته للعلامة الصاوي ج 1 ص 369 ـ والآية من سورة الشعراء : 227).

إلى الفهرس

نصوص فُهِمت على غير وجهها

ومن الناس مَن يستند إلى بعض النصوص الدينية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، يفهمها فهمًا سطحيًا مُتعجلاً، مستدلاً بها على تعصب الإسلام ضد المخالفين له من اليهود والنصارى وغيرهم.
ومن الأمثلة البارزة لهذه النصوص: الآيات التي جاءت تنهى عن موالاة غير المؤمنين، وهي كثيرة في القرآن الكريم، وذلك كقوله تعالى في سورة آل عمران: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة، ويحذركم الله نفسه) (آل عمران : 28).
وقال تعالى في سورة النساء: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً) (النساء : 144).
وقبل ذلك بآيات: (بشر المنافقين بأن لهم عذابًا أليمًا * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعًا) (النساء : 138-139).
وفي سورة المائدة يقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض * ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) (المائدة : 51-52).
وفي سورة التوبة: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) (التوبة : 23).
وفي سورة المجادلة: (لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) (المجادلة : 22).
وفي سورة الممتحنة: (يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا عدوِّي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي، تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل) (الممتحنة : 1).
وفي السورة نفسها يقول تعالى: (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) (الممتحنة : 9).
فهم بعض الناس من هذه الآيات وأمثالها أنها تدعو إلى الجفوة والقطيعة والكراهية لغير المسلمين، وإن كانوا من أهل دار الإسلام، والموالين للمسلمين والمخلصين لجماعتهم.
والحق أن الذي يتأمل الآيات المذكورة تأملاً فاحصًا، ويدرس تواريخ نزولها وأسبابه وملابساته يتبين له ما يأتي:
أولاً: إن النهي إنما هو عن اتخاذ المخالفين أولياء بوصفهم جماعة متميزة بديانتها وعقائدها وأفكارها وشعائرها، أي بوصفهم يهودًا أو نصارى أو مجوسًا أو نحو ذلك، لا بوصفهم جيرانًا أو زملاء أو مواطنين. والمفروض أن يكون ولاء المسلم للأمة المسلمة وحدها، ومن هنا جاء التحذير في عدد من الآيات من اتخاذهم أولياء: (من دون المؤمنين). أي أنه يتودد إليهم ويتقرب لهم على حساب جماعته.
ولا يرضى نظام ديني ولا وضعي لأحد من أتباعه أن يدع جماعته التي ينتسب إليها، ويعيش بها، ليجعل ولاءه لجماعة أخرى من دونها. وهذا ما يعبر عنه بلغة الوطنية بالخيانة.
ثانيًا: إن الموادة التي نهت عنها الآيات ليست هي مُوَادة أي مخالف في الدين، ولو كان سلمًا للمسلمين وذمة لهم، إنما هي موادة من آذى المسلمين وحادَّ الله ورسوله. ومما يدل على ذلك:
( أ ) قوله تعالى في سورة المجادلة: (لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) (المجادلة : 22). ومُحادة الله ورسوله ليست مجرد الكفر بهما، بل محاربته دعوتهما، والوقوف في وجهها، وإيذاء أهلها.
( ب ) قوله تعالى في مستهل سورة الممتحنة: (تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم). (الممتحنة : 1). فالآية تعلل تحريم الموالاة أو الإلقاء بالمودة إلى المشركين بأمرين مجتمعين: كفرهم بالإسلام، وإخراجهم للرسول والمؤمنين من ديارهم بغير حق.
( ج ) قوله تعالى في نفس السورة: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون). (الممتحنة :8-9). فقسم المخالفين في الدين إلى فريقين:
فريق كان سلمًا للمسلمين لم يقاتلهم في الدين ولم يخرجهم من ديارهم، فهؤلاء لهم حق البر والإقساط إليهم.
وفريق اتخذوا موقف العداوة والمحادة للمسلمين ـ بالقتال أو الإخراج من الديار، أو المظاهرة والمعاونة على ذلك ـ فهؤلاء يحرم موالاتهم. مثل مشركي مكة الذين ذاق المسلمون على أيديهم الويلات. ومفهوم هذا النص أن الفريق الآخر لا تحرم موالاته.
ثالثًا: إن الإسلام أباح للمسلم التزوج من أهل الكتاب، والحياة الزوجية يجب أن تقوم على السكون النفسي والمودة والرحمة، كما دل على ذلك القرآن في قوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة). (الروم : 21). وهذا يدل على أن مودة المسلم لغير المسلم لا حرج فيها، وكيف لا يواد الرجل زوجته إذا كانت كتابية؟ وكيف لا يواد الولد جده وجدته وخاله وخالته إذا كانت أمه ذمية؟
رابعًا: إن الحقيقة التي لا شك فيها أن الإسلام يؤكد إعلاء الرابطة الدينية على كل رابطة سواها، سواء أكانت رابطة نسبية أم إقليمية أم عنصرية أم طبقية، فالمسلم أخو المسلم، والمؤمنون إخوة، والمسلمون أمة واحدة، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم. والمسلم أقرب إلى المسلم من أي كافر، ولو كان أباه أو ابنه أو أخاه.
وهذا ليس في الإسلام وحده.. بل هي طبيعة كل دين، وكل عقيدة، ومن قرأ الإنجيل وجده يؤكد هذا المعنى في أكثر من موقف.

إلى الفهرس

 

مقارنات

من أراد أن يعرف فضل التسامح الإسلامي، ويعرف سماحة المسلمين على بصيرة، فليقرأ ما فعلته الأديان والعقائد والأخرى مع مخالفيها على مدى التاريخ ؟ فالضدُّ يُظهر حسنَه الضدُّ.
بل ليقرأ ثم يقرأ موقف أصحاب العقائد اللادينية الحديثة، ودعاة "الأيديولوجيات" الانقلابية في القرن العشرين، ليرى ماذا فعلوا بخصومهم؟
وكيف عاملوا ويعاملون مخالفيهم في المذهب والاتجاه؟! بل ماذا صنعوا ويصنعون بزملائهم في الفكرة، ورفقائهم في الكفاح، إذا خالفوا عن رأيهم، أو فكروا غير تفكيرهم؟!
أجل.. ليقرأ بإمعان ماذا سجل التاريخ للمسلمين حينما فتحوا الأندلس، ثم ماذا سجله لخصومهم الأسبان من النصارى، حينما قُدِّر لهم أن ينتصروا عليهم، بعد ثمانية قرون عَمَّروا فيها بلاد الأندلس بالعلم والنور، وأقاموا فيها حضارة باهى بها التاريخ.
ليقرأ وليدرس كيف يعيش المسلمون في عصرنا هذا ـ عصر النور والحضارة والأمم المتحدة والمحافل الدولية، وحقوق الإنسان ـ في البلاد التي تحكمها حكومات نصرانية متعصبة أو شيوعية ملحدة، أو هندوسية متزمتة؟‍
لينظر إلى المسلمين في الحبشة مثلاً وما يقاسونه من عنت واضطهاد وإهدار للحقوق الإنسانية، مع أنهم يكونون أغلبية السكان، ولهم أقاليم إسلامية خالصة لا يشاركهم فيها غيرهم.

(انظر: كتاب "مأساة الإسلام الجريح في الحبشة" وكذلك التقرير الذي كتبه طالبان أزهريان من الحبشة عن وضع المسلمين هناك، ونشره الشيخ محمد الغزالي في كتاب "كفاح دين" تحت عنوان "ذئاب الحبشة تنهش الإسلام". وانظر: كتاب "اريتريا والحبشة" في سلسلة مواطن الشعوب الإسلامية للأستاذ محمود شاكر، نشر مكتبة الأقصى ـ عمان).
ولينظر كذلك إلى المسلمين في روسيا (انظر: فصل "أحوال المسلمين في الاتحاد السوفييتي" من كتاب "الإسلام في وجه الزحف الأحمر" للشيخ محمد الغزالي) أو يوغسلافيا أو الصين أو غيرها من البلاد الاشتراكية الماركسية.
إن المسلمين يكونون في بعض الجمهوريات في روسيا وبعض الأقاليم في يوغوسلافيا والصين أكثرية ساحقة في عدد السكان. ومع هذا يمنعون من أداء ما يعتقدون وجوبه كالصلوات الخمس والحج إلى بيت الله الحرام والتفقه في الدين وإنشاء المساجد التي تقام فيها شعائر الإسلام والمعاهد التي تمد هذه المساجد بالأئمة والمعلمين والخطباء. وأن يحكموا أنفسهم بشريعة ربهم التي يؤمنون بوجوب التحاكم إليها دون غيرها.
أجل.. إن المنصف لا يتبين قيمة ما قدمه الإسلام للإنسانية في مجال التسامح مع المخالفين في الدين، ما لم يدرس ماذا قدمته العقائد أو "الأيديولوجيات" العلمانية المعاصرة، والعقائديون الجدد في هذا الباب.
إن القسوة والاضطهاد، والتعذيب والتنكيل، والتشريد والتقتيل، والإبادة الجماعية، والإرهاب المستمر، لن يسمح له بالبقاء ـ كل هذا لا يقع شذوذًا أو فلتة، أو نزولاً على حكم الضرورة، بل إن العنف والاضطهاد الوحشي للمخالفين يمثل سياسة ثابتة دائمة، قائمة على فلسفة نظرية لا تكتفي بتبرير العنف فقط، بل توجبه وتحتمه (تقوم فلسفة الثوريين من الشيوعييين وأمثالهم على أن العنف في ذاته ضروري للتثقيف الانقلابي، ولرعاية "الديناميك" الثوري، وحفظ نقاء وصفاء هذا الديناميك. الحركة ـ كما قالوا ـ تعتمد العنف هنا كي تهز أو تحرك الشعب من سباته، وكي تحرضه دائمًا على الحركة، وكي تشحذ وجدانه الثوري. العنف يعني وضع الثورة أمام الشعب بشكل مستمر، كي لا يغفو الشعب أو تغيب الثورة عن وعيه وضميره، إنه ـ بعبارة أخرى ـ وسيلة في منع الشعب من اجترار الثروة كجزء من تقليد، وبطريقة غير واعية، إذ يعني ذلك موت الثورة !!. "الأيديولوجية الانقلابية" ـ فصل "العنف الانقلابي" ص701). وتجعله من فرائض الثورة والثورية ولوازمها وزعموا أن هذا العنف من خصائص كل دعوة انقلابية في الماضي والحاضر ـ دينية أو غير دينية، وجهلوا موقف الإسلام المتميز. ولكي يكون العنف عنفًا انقلابيا ناجحًا يجب أن يستخدم باستمرار وحدة وثبات وقسوة.
ومما قاله أحد الدارسين للأيديولوجية اللادينية الحديثة: "يتخذ العنف عادة قبل الاستيلاء على الدولة شكلاً فرديًا يكون هدفه ـ كما حدده الفوضويون، وفي طليعتهم الفوضوية الروسية ـ التهويل وتفكيك السلطة، عن طريق الخوف، وإعداد الطريق بذلك للخطوة التالية، ألا وهي الاستيلاء على الدولة.
ولكن بعد الاستيلاء على الدولة يتحول هذا العنف إلى عنف جماعي هدفه ترسيخ السلطة وتثبيتها بدلاً من تفكيكها، فبينما يتجه العنف الفردي إلى أفراد في مراكز رئيسية حساسة، يتجه العنف الجماعي الانقلابي الجديد صوب الشعب ككل، أو صوب جماعة معينة. إن الهدف من العنف الثاني ليس اعتماد الخوف فقط، بل إزالة العدو من الوجود، كي ينسجم المجتمع مع المذهب الجديد". (انظر: الأيدولوجية الانقلابية للدكتور نديم البيطار – منشورات المؤسسة الأهلية للطباعة والنشر ـ بيروت ص 706 - 707).
"ولقد ارتكب الشيوعيون في روسيا من الفظائع والمذابح، عند القيام بثورتهم وبعدها ما لا يخطر ببال، وما يفوق كل خيال. حتى إن بعض معاوني "لينين" ـ مؤسس الجولة الشيوعية الأولى في هذا العصر ـ أخذوا يتذمرون من التضحيات الكبرى بالدماء والأرواح التي نتجت عن الحرب الأهلية، فلما كلَّموه في ذلك كان جوابه بكل بساطة: "ليس للأمر أهمية أبدًا إن مات ثلاثة أرباع الشعب، إن ما يهمنا هو أن يصبح الربع الباقي شيوعيًا". (المصدر السابق ص688).
أما ما وقع في عهد "ستالين" من مجازر وفظائع، وما شهده الشعب من حمامات الدم، وحملات التطهير المتلاحقة، فحدِّث ولا حرج، وقد جرت به أنهار الصحف، وتناقلته أنباء العالم في عهد "خروشوف". ولا يتسع المجال لذكر نماذج منه. انظر: خطاب الرفيق خروشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي ـ ترجمة ماهر نسيم وتقديم الأستاذ عباس العقاد، نشر مكتبة الأنجلو المصرية ـ مطبعة الرسالة).
الحقيقة المهمة هنا: أن دعاة العنف الثوري حديثًا يستندون في تبرير عنفهم وقسوتهم ضد مخالفيهم إلى ما حفل به تاريخ الأديان قديمًا من تنكيل واضطهاد وإبادة ضد من لا يدين بها ويركزون خاصة على تاريخ المسيحية، طوال العصور الوسطى، ومنذ نشأتها.
قالوا: إن العنف الجماعي المنظم الذي لجأ إليه الشيوعيون والنازيون إنما استوحاه "تروتسكي" و"هتلر" وغيرهما من مدارس مسيحية، وفي طليعتها مدرسة اليسوعيين، ومحاكم التفتيش، والحركات الألفية.
إن المسيحية التي تدعو إلى المحبة والسلام، والتي قاست ألوانًا من الاضطهاد والتنكيل إبَّان نشوئها وضعفها، لم تلبث ـ حين ملكت زمام السلطة وقامت لها دولة ـ أن أنزلت بالمخالفين لها من ضروب العنف، وصنوف القسوة والعذاب ما تقشعر لحدوثه الأبدان.
يذكر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في كتاب "الإسلام والنصرانية ": أن الكنيسة الأسبانية غضبت لانتشار فلسفة ابن رشد وأفكاره، وخصوصًا بين اليهود، فصبت جام غضبها على اليهود والمسلمين معًا، فحكمت بطرد كل يهودي لا يقبل المعمودية، وأباحت له أن يبيع من العقار والمنقول ما يشاء بشرط ألا يأخذ معه ذهبًا ولا فضة، وإنما يأخذ الأثمان عروضًا وحوالات. وهكذا خرج اليهود من أسبانيا تاركين أملاكهم لينجوا بأرواحهم، وربما اغتالهم الجوع ومشقة السفر، مع العدم والفقر.
وحكمت الكنيسة كذلك سنة 1052م على المسلمين (أعداء الله !) بطردهم من إشبيلية وما حولها إذا لم يقبلوا المعمودية، بشرط ألا يذهبوا في طريق يؤدي إلى بلاد إسلامية ومن خالف ذلك فجزاؤه القتل. (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية ص36 - 37 -الطبعة الثامنة).
ولم يكن اضطهادها موجهًا إلى الوثنيين والمخالفين في الدين فحسب بل موجهًا إلى المسيحيين الذين لهم رأي أو مذهب يخالف مذهب الحكام، أو مذهب الكنيسة المعتمدة لديهم.
والذين قرأوا تاريخ المسيحية يعرفون ماذا جرى للعالم المصري "آريوس" وأتباعه الذين عارضوا القول بألوهية المسيح، في مجمع نيقية المشهور (325م) وكيف قرر هذا المجمع ـ بعد أن طرد من أعضائه كل المعارضين ـ وهم الأكثرية ـ إدانة "آريوس" وإحراق كتاباته، وتحريم اقتنائها، وعزل أنصاره من كل الوظائف، ونفيهم، والحكم بالإعدام على كل من أخفى شيئًا من كتابات "آريوس" ومن أيَّد مذهبه.
وباستمرار الاضطهاد للداعين إلى التوحيد اختفوا تمامًا من المجتمعات المسيحية، ولم يبق لدعوتهم أثر.
يقول بعض الكتاب: "إن الاختلافات اللاهوتية بين المسيحية في تفسير بعض أقوال أو مبادئ التوراة، كانت تؤدي إلى قتال يحصدهم حصدًا. أن يشتق الروح القدس من الأب والابن، أومن الابن وحده ! أو أن يكون الخبز والنبيذ جسدًا ودمًا أو لا يكونا ! أو أن يكون المسيح ذا طبيعتين أو لا يكون: طبيعة إنسانية وطبيعة إلهية…إلخ ـ كانت كلها مماحكات مات الناس في الدفاع عنها والخصام حولها بعشرات الألوف، وعذب المؤمنون بعضهم بعضًا في سبيلها بأشد أنواع التعذيب. (الأيديولوجية الانقلابية ص714).
ولما ظهر مذهب البروتستانت في أوروبا ـ على يد "لوثر" وغيره ـ قاومت الكنيسة الكاثوليكية أتباع هذا المذهب بكل ما أوتيت من قوة، وعرف تاريخ الاضطهاد مذابح بشرية رهيبة، من أهمها مذبحة باريس (في 24 أغسطس عام 1572م) التي دعا فيها الكاثوليك البروتستانت ضيوفًا عليهم في باريس للبحث في تسوية تقرب بين وجهات النظر، فما كان من المضيفين إلا أن سطوا على ضيوفهم تحت جنح الليل، فقتلوهم خيانة وهم نيام ! فلما طلع الصباح على باريس كانت شوارعها تجري بدماء هؤلاء الضحايا ! وانهالت التهاني على "تشارلس التاسع" بغير حساب من البابا، ومن ملوك الكاثوليك وعظمائهم.
والعجيب أن البروتستانت لما قويت شوكتهم، قاموا بدور القسوة نفسه مع الكاثوليك، ولم يكونوا أقل وحشية منهم. (انظر "المسيحية" للدكتور أحمد شلبي ص51 - 52).
لقد قال "لوثر" لأتباعه: "من استطاع منكم فليقتل، فليخنق، فليذبح، سرًا أو علانية، اقتلوا واخنقوا، واذبحوا، ما طاب لكم، هؤلاء الفلاحين الثائرين". (الأيديولوجية الانقلابية ص710).
لم يكن من الغريب أن تنطوي الحروب الدينية في أوروبا على الفظائع التي ميزتها. يذكر "فيارك" أن الحرب الدينية الثلاثينية قضت حرفياً في ألمانيا وحدها على أكثرية الشعب الألماني بين قتل وجوع، وحرقت معظم مدنها المزدهرة، وحولتها إلى رماد‍‍!!
أما الحملات الصليبية فإن القرن العشرين بتجاربه الانقلابية (على ما فيها من وحشية كالانقلاب الشيوعي والنازي) يعجز أمام فظائعها التي كانت تقترفها ضد المسيحيين أنفسهم، فبعضها كان يحرث الأرض بأجساد ضحاياها من المارقين كطريقة تسميد الأرض!
ويذكر "فيدهام" أن هذه الحروب كانت مليئة بالفظائع: لأن رجال اللاهوت "الطيبين" كانوا مستعدين دائمًا أن يضعوا الزيت على النار، وأن يحيوا وحشية الجنود عندما يساورهم أي تردد أو ضعف، فقد يكون الجنود قساة، ولكنهم كانوا يميلون في بعض الأحيان إلى الرحمة، أما رجال اللاهوت فاعتبروا الاعتدال والرحمة نوعًا من الخيانة! (الأيديولوجية الانقلابية ص716).
يتحدث أحد الكتَّاب عن موقف المسيحية في العصور الوسطى فيقول: "كان القصد الأعلى للمسيحية كقصد كل أيديولوجية انقلابية، إنشاء عالَم مسيحي جديد ليس فيه سوى المؤمنين.
كان الإيمان "المسيحي" شرطًا جوهريًا كي يصبح الفرد عضوًا في مجتمع القرون الوسطى، وكان ضروريًا كي يصبح الفرد مواطنًا. لهذا بقي الوثني أو اليهودي أو المسلم خارج المجتمع. لم يكوِّن وضعهم الحقوقي الحد الأدنى من حقوق المواطنة فقط، بل برز في إلغائها إلغاءً تامًا.
ففي ابتداء الأمر كانت تحقق انتشارها، وتعمل في سبيل هذا القصد عن طريق السيف والقتل، فإما الموت أو العمادة. ولكنها ـ فيما بعد ـ أخذت تعتمد على عنصر التبشير تحاول عن طريقه تحقيق القصد ذاته.
كانت الحركات الصليبية مثالاً حيًا لهذا الامتداد. فهي من القرن الحادي عشر حتى القرن الرابع عشر، وخصوصًا في تجمعاتها الجماهيرية، لم تر أي سبب يمنع تحقيق قصدها، وتحويل العالم كله إلى عالم مسيحي، عن طريق إفناء الشعوب غير المسيحية. يتضح ذلك في أحد مقاطع أغنية "رولان" التي تعبر عن روح الحملة الصليبية الأولى، حيث ترى أن الكفرة يرغمون على العمادة، ومن يقاوم يقتل شنقًا أو حرقًا أو ذبحًا!
لم تتجه الحملات الصليبية ضد المسلمين فقط، ولكنها اتجهت في أوروبا أيضًا ضد كل من حدثته نفسه بالخروج أو بالانحراف عن الكنيسة، ففي الحملة ضد الألبيجنس و الوالدنس والكثاريين (Cathartics, Waldenses, Aibigenses) مثلاً ـ في القرنين الثاني عشر والثالث عشر ـ كانت الكنيسة تحاول إفناءهم إفناءً تامًا. وهذا ما حققته فعلاً، فقتلت وحرقت وشنقت الرجال والنساء والأطفال بشكل جماعي.
يذكر "بوري" في هذا الشأن بأن الأمر المهم، هو أن الكنيسة أدخلت في القانون العام الأوروبي: المبدأ القائل بأن الملك أو الأمير يستطيع أن يمارس سلطته على أساس واحد، وهو إفناء فرق الخارجين على الكنيسة، فإن تجاسر أحد على التردد أرغمته الكنيسة على الطاعة، بجعل امتيازاته وأراضيه ملكًا لأي فرد تستطيع الكنيسة أن توجهه لمهاجمته وتأديبه. وفي مكان آخر من دراسته يفسر بأن اضطهاد روما للمسيحيين يعود إلى تعصب المسيحية، وإلى نقضها لجميع الأديان الأخرى، وإلى عدائها لجميع أشكال الإيمان خارج إيمانها، وإلى الاعتقاد بأن فوزها يعني إزالة جميع العقائد.
هذه الظاهرة جعلت "وليم جيمس" يقرر أن العالم لم يعرف الاضطهاد الديني على نطاق واسع، قبل ظهور الأديان الموحدة، كانت المسيحية في الواقع أول مذهب ديني في العالم وجد خاصته في التعصب والذي كان يقضي بإفناء خصومه.
كانت حرب الكنيسة ضد حركات الانشقاق الديني دائما، عندما كانت الكنيسة قادرة على ذلك، حرب إفناء. ثم كانت بعض هذه الطوائف المنشقة ترغب في أن تكون حربها هي الأخرى حرب إفناء لجميع أتباع الكنيسة.
إن المسيحية ممثلة بكنيستها كانت تدفع قضيتها ـ من ناحية ـ ضد "الوثنيين" في الخارج، ومن ناحية أخرى ضد "المارقين" في الداخل، فتنظم حملات الإفناء الصليبية ضد الأولين، ومحاكم التفتيش ضد الآخرين!
كان الحرق عقاب جميع الفرق المنشقة، فإن ندم أحدهم فاعترف بخطيئته وتاب، يحكم عليه بالسجن المؤبد، وكان الحجز يصيب جميع أملاك الكافر وأولاده حتى الجيل الثاني، وكانوا لا يعتبرون أهلاً لأي منصب أو مركز إلا إذا وشوا بأبيهم أو بكافر آخر. والعقاب ذاته كان يصيب كل من يساعد الكفار بأي شكل.
لم يكن الموتى أنفسهم في منجى، إذ كانت المحاكم تأمر بنبش وحرق جثث من ترى أنهم كانوا كفرة. وقد بلغ التشجيع على الوشاية بالغير درجة لم يبلغها في الانقلابات الحديثة!
ذكر "لي" في دراسته الكلاسيكية حول محاكم التفتيش في القرون الوسطى: أن جميع المحاكم والقضاة في الحاضر والمستقبل، كانوا ملزمين بأن يُقْسموا على إزالة كل الذين تعتبرهم الكنيسة كفرة، وإلا فإنهم يخسرون مراكزهم، إن أي حاكم زمني يهمل لعام واحد ـ بعد دعوة الكنيسة بأن ينظف الأرض التي يملكها من الكفرة ـ تصبح أرضه من حق كل من يفني الكفرة ويقضي عليهم. جنَّد "مرسوم الإيمان" ـ الذي اعتمدته محاكم التفتيش في متابعة المارقين ـ الشعب كله في خدمة المحاكم، وفُرِض على كل فرد أن يشي بالغير وأن ينبئها بأي عمل كافر أو مارق. (الأيديولوجية الانقلابية ص586 - 588).
ويقول الشيخ محمد عبده عن محاكم التفتيش: لقد اشتدت وطأة هذه المحكمة حتى قال أهل ذلك العهد: يقرب من المحال أن يكون الشخص مسيحيًا ويموت على فراشه!
ويقول: لقد حكمت هذه المحكمة من يوم نشأتها سنة 1481م حتى سنة 1808م على 340000 نسمة منهم 200000 أحرقوا أحياء. (المرجع السابق ص715).
لم يكن هذا الموقف جديدًا في المسيحية، لأن انتشارها في عصورها الأولى كان يتم عادة عن طريق تخيير الغير بينها وبين السيف.
يذكر (بريفولت) أن تقدير المؤرخين للناس الذين قتلتهم المسيحية في انتشارها ـ أي في أوروبا ـ يتراوح بين سبعة ملايين كحد أدنى، وخمسة عشر مليون كحد أعلى. (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية للإمام محمد عبده).
إن فظاعة هذا العدد تتضح لنا عندما نذكر أن عدد سكان أوروبا آنذاك كان جزءًا ضئيلاً فقط من سكانها اليوم.
كانت الفظائع والمذابح التي قام بها المسيحيون ضد خصومهم تجد لها سندًا في التوراة التي تقول في شأن هؤلاء الخصوم: (اهدموا معابدهم، واقذفوا أعمدتها إلى النار، واحرقوا جميع صورها) .. كما توصى التوراة بتحريق المدن بعد فتحها، وقتل كل من فيها من رجال ونساء وأطفال.
وكان الذين يقومون بتلك العمليات الوحشية يزعمون لأنفسهم أنهم يتقربون إلى الله وينفذون إرادته، ويعجلون لأعدائه بعض النقمة التي تنتظرهم في الآخرة. عبرت عن ذلك ملكة إنجلترا ـ الكاثوليكية ـ في القرن السادس عشر (ماري) حين أعلنت مرة: (بما أن أرواح الكفرة سوف تحرق في جهنم أبدًا، فليس هناك أكثر شرعية من تقليد الانتقام الإلهي بإحراقهم على الأرض) (الأيدلوجية الانقلابية ص 714)

 

Open source productions