مجموعه من الشبهات والرد عليها

User Rating:  / 0
PoorBest 
وردت الشبهة فى قوله تعالى (( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)) و قوله تعالى (( إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ )) ، فقالوا : كيف يعصى يونس أمر ربه ؟ و كيف يظن أن الله القادر على كل شىء لن يقدر عليه
وردت الشبهة فى قوله تعالى (( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)) و قوله تعالى (( إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ )) ، فقالوا : كيف يعصى يونس أمر ربه ؟ و كيف يظن أن الله القادر على كل شىء لن يقدر عليه ؟

 
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

 
قال الإمام ابن حزم فى الملل (فأما يونس عليه السلام فلم يغاضب ربه ، و لم يقل تعالى أنه ذهب مغاضباً ربه ، فمن زاد هذه الزيادة كان قائلاً على الله الكذب و زائداً فى القرأن ما ليس منه ، و هذا ما لا يجوز فإنما هو غاضب قومه و لم يوافق ذلك مراد الله تعالى و إن كان يونس لم يقصد بذلك إلا رضاء الله عز و جل،و الأنبياء يقع منهم السهو بغير قصد و يقع منهم الشىء يراد به وجه الله فيوافق خلاف مراد الله تعالى))

 
و هذا هو المعنى الصحيح و الذى يتضح جلياً بفهم قوله تعالى ((فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ)) ، "جاء رجل فسأل ابن عباس: كيف يظن نبى الله يونس أن الله لن يقدر عليه؟ فقال ابن عباس: ليس هذا، ألم تقرأ قول الله تعالى ((وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ))

 
قال الإمام القرطبى فة تفسير قوله تعالى ((فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ ))
[قِيلَ : مَعْنَاهُ اسْتَنْزَلَهُ إِبْلِيس وَوَقَعَ فِي ظَنّه إِمْكَان أَلَّا يَقْدِر اللَّه عَلَيْهِ بِمُعَاقَبَتِهِ . وَهَذَا قَوْل مَرْدُود مَرْغُوب عَنْهُ ; لِأَنَّهُ كُفْر . رُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر حَكَاهُ عَنْهُ الْمَهْدَوِيّ , وَالثَّعْلَبِيّ عَنْ الْحَسَن . وَذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ وَقَالَ عَطَاء وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَكَثِير مِنْ الْعُلَمَاء مَعْنَاهُ : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نُضَيِّق عَلَيْهِ . قَالَ الْحَسَن : هُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى : " اللَّه يَبْسُط الرِّزْق لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِر " [ الرَّعْد : 26 ] أَيْ يُضَيِّق . وَقَوْله " وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقه " [ الطَّلَاق : 7 ] . قُلْت : وَهَذَا الْأَشْبَه بِقَوْلِ سَعِيد وَالْحَسَن . وَقَدَرَ وَقُدِرَ وَقَتَرَ وَقُتِرَ بِمَعْنًى , أَيْ ضُيِّقَ وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس فِيمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ وَالْمَهْدَوِيّ .
وَقِيلَ : هُوَ مِنْ الْقَدْر الَّذِي هُوَ الْقَضَاء وَالْحُكْم ; أَيْ فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْضِي عَلَيْهِ بِالْعُقُوبَةِ ; قَالَهُ قَتَادَة وَمُجَاهِد وَالْفَرَّاء . مَأْخُوذ مِنْ الْقَدْر وَهُوَ الْحُكْم دُون الْقُدْرَة وَالِاسْتِطَاعَة]

 
فكلمة نقدر عليه لا تشير ههنا إلى معنى الإستطاعة فهذا ما لا يظنه أحاد الناس فضلاً عن نبى ، و إنما تشير إلى معنى التضييق، فيونس عليه السلام لما دعى قومه للتوحيد و نفروا منه و أذوه تركهم غضباناً لله و لم يظن أن الله يحاسبه و يضيق عليه لذلك، و إنما حاسبه الله لأنه لم يصبر عليهم و خرج منهم قبل الإذن ، كما قال تعالى ((فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ )) و قد نبه رسول الله (ص) إلى هذا الأمر و حذر من أن يسىء إنسان الظن بنبى الله يونس فقال عليه الصلاة و السلام: ((‏لا يقولن أحدكم إني خير من ‏ ‏يونس )) رواه البخارى

 
عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه "قال - يعني الله تبارك وتعالى - لا ينبغي لعبد لي (وقال ابن المثنى : لعبدي) أن يقول : أنا خير من يونس بن متى، عليه السلام"رواه مسلم.

 
و قال عليه الصلاة و السلام: ((ما ينبغي لنبي أن يقول : إني خير من يونس بن متى)) صحيح أبو داود للألبانى

 
و قال عليه الصلاة و السلام ((ومن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب)) صحيح ابن ماجة

 
و هذا من تعظيم رسول الله (ص) لشأن اخوانه الأنبياء و دفاعه عنهم عليهم صلوات الله أجمعين

 
و هفوة نبى الله يونس هذه لو صدرت عن غيره لاعتبرها فى ميزان الفضيلة و لكن يونس عليه السلام أوخذ يها نظراً لرفيع مقامه كما نقول دائماً (حسنات الأبرار سيئات المقربين) ، و فعاقب الله تعالى نبيه يونس بموجب (التربية الخاصة) لتزكية نفسيه الطاهرة و السمو بها عن كل شائبة، و قد تضرع عليه السلام إلى ربه منيباً معترفاً بخطئه فقال عليه السلام " لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين .." فاستجاب له ربه تعالى و جعل دعاءه هذا مأثوراً لرفع الكرب إلى يوم القيامة، ..."

 

 
MOISE
الأولى:

 
وردت الشبهة فى قوله تعالى (( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ..)) فقالوا: كيف يقتل موسى نفساً ؟

 
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

 
فإن موسى عليه السلام لا تثريب عليه في قتل القبطى لسببين:

 
الأول: أنه تدخل عليه السلام لنصرة مؤمن مستضعف إستغاثه من يد كافر متجبر
الثانى: أن موسى لم يقصد قتله و إنما قصد ردعه فمات فلا تعمد ههنا و بالتالى لا تناقض مع عصمته الشريفة، و لعل الإشكال نشأ فى عقول القوم بسبب الرواية التوراتية التى تظهر موسى فى صورة القاتل المتعمد المتربص الذى استطلع الأجواء ثم أقدم على جريمته.(( ». 11وَحَدَثَ فِي تِلْكَ لأَيَّامِ لَمَّا كَبِرَ مُوسَى أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى إِخْوَتِهِ لِيَنْظُرَ فِي أَثْقَالِهِمْ فَرَأَى رَجُلاً مِصْرِيّاً يَضْرِبُ رَجُلاً عِبْرَانِيّاً مِنْ إِخْوَتِهِ 12فَالْتَفَتَ إِلَى هُنَا وَهُنَاكَ وَرَأَى أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ فَقَتَلَ لْمِصْرِيَّ وَطَمَرَهُ فِي لرَّمْلِ)) خروج 2: 11
أما الرواية القرأنية فلم تقل أن موسى قتله كى لا يشكل المعنى بل قال تعالى ((.فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ .)) قال القرطبى و ابن كثير عن قَتَادَة قال : " وكزه بِعَصَاهُ" وَقَالَ مُجَاهِد : "بِكَفِّهِ ; أَيْ دَفَعَهُ وَالْوَكْز وَاللَّكْز وَاللَّهْز وَاللَّهْد بِمَعْنًى وَاحِد , وَهُوَ الضَّرْب بِجُمْعِ الْكَفّ مَجْمُوعًا كَعَقْدِ ثَلَاثَة وَسَبْعِينَ" ))
فما فعله موسى هو أن وكز القبطى و كان شديد القوة عليه السلام فلم يحتمل القبطى فمات، و هذه أول مرة فى التاريخ يتم فيها الإشارة إلى هذا التفريق بين القتل العمد و القتل الخطأ و ما يعرف بالضرب المفضى إلى الموت، فالقرأن العظيم هو أول من فرق بين هذه الحالات الثلاث و لم يسبقه أى نظام قانونى فى العالم فى بيان هذا التشريع العادل الراقى و لله الحمد و المنة

 

 
الشبهة الثانية:

 
وردت الشبهة فى الحديث البخارى عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏قال ‏ ((أرسل ملك الموت إلى ‏ ‏موسى ‏ ‏عليهما السلام ‏ ‏فلما جاءه ‏ ‏صكه ‏ ‏فرجع إلى ربه فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت قال ‏ ‏ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال أي رب ثم ماذا قال ثم الموت قال فالآن قال فسأل الله أن يدنيه من ‏ ‏الأرض المقدسة ‏ ‏رمية بحجر قال ‏ ‏أبو هريرة ‏ ‏فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت ‏ ‏الكثيب الأحمر))

 
فقالوا كيف يعتدى موسى عليه السلام على ملك الله ؟ و كيف يرفض قدر الله؟!

 
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

 
أولاً
قال ابن خزيمة: {الجواب أن الله لم يبعث ملك الموت لموسى وهو يريد قبض روحه حينئذ , وإنما بعثه إليه اختبارا وإنما لطم موسى ملك الموت لأنه رأى آدميا دخل داره بغير إذنه ولم يعلم أنه ملك الموت , وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذن , وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط في صورة آدميين فلم يعرفاهم ابتداء , ولو عرفهم إبراهيم لما قدم لهم المأكول , ولو عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه . }

 
ولخص الخطابي كلام ابن خزيمة وزاد فيه أن موسى دفعه عن نفسه لما ركب فيه من الحدة , وأن الله رد عين ملك الموت ليعلم موسى أنه جاءه من عند الله فلهذا استسلم حينئذ،

 
قلت : و هذا هو الصواب قطعاً خاصة و أن الملاك لم يأت موسى بصورته و إنما جاءه متشكلاً فأنكره موسى ، كما أنه لم يبدأ بتخييره قبل قبضه و معلوم أنه ما قُبض نبى قبل تخييره ، فكان الحال أن فوجىء موسى برجل فى بيته يطلب موته!!

 
و الدليل أن موسى عليه السلام لم يفعل ذلك كرهاً لقضاء الله كما يزعمون أن الله تعالى ما عاقبه ولا عاتبه على ذلك ، بل أكرمه فأرسل إليه الملك مرة أخرى و قد عاد كاملاً سليماً فعلمه موسى حينئذ ، فلما خيره أن يموت فى الحال أو أن يضع يده على متن ثور و يكون له بكل شعره غطتها يده سنة رد موسى قائلاً: (( أى رب ثم ماذا ؟ قال:ثم الموت، قال:فالآن)) أى أن موسى فضل الموت فى حينه و الالتحاق بالرفيق الأعلى عن العيش فى الدنيا لألاف السنين الأخرى، فكيف يقال أنه كان يكره الموت بعد ذلك؟!

 
و مرة أخرى نذكر بما ورد فى حديث الشفاعة الكبرى و فيه أن الناس يأتون موسى عليه السلام يستشفعونه فيصرفهم و يذكرهم بخطيئة واحدة اقترفها و هى قتل القبطى ((فيقول : لست هناكم، ويذكر قتل النفس بغير نفس، فيستحي من ربه فيقول : ائتوا عيسى عبد الله ورسوله))

 
فلو كان فعله مع الملك تجاوزاً لكان أولى بالذكرمن قتل غير مقصود لنفس جائرة، و مع ذلك فموسى لا يذكر إلا هذه المسألة فقط و يعدها خطيئة بيد أنها ليست كذلك كما أوضحنا من قبل ، و أن الله اصطفاه و جعله رسوله و كليمه بعد ذلك كما قال تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً )) و كما قال تعالى فى ثناءه على موسى ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً ))
إلا أن هذا هو شأن الأنبياء فى إستعظامهم لكل خطأ غير مقصود لشدة تعظيمهم لحق الله تعالى و حرماته

 
ثانياً
أعجب ممن يتحدثون عن كراهية الموت و الإعتراض على قضاء الله بينما نجد فى كتبهم أن المسيح قد رفض الموت و طلب من الله أن يدفع عنه هذه الكأس المرة
((35 ثم تقدم قليلا وخرّ على الارض وكان يصلّي لكي تعبر عنه الساعة ان امك 36 وقال يا ابا الآب كل شيء مستطاع لك .فاجز عني هذه الكاس .ولكن ليكن لا ما اريد انا بل ما تريد انت .)) مرقس 35:14، 36

 
و كذلك نجد يائساً ساخطاً على الصليب! فصرخ فى ربه قائلاً: ((34 وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا ألوي ألوي لما شبقتني .الذي تفسيره الهي الهي لماذا تركتني .)) مرقس34:15

 

 
SOLOMON
جاءت الشبهة فى ما نقلته بعض كتب التفسير عند قوله تعالى ((وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ))

 
و هى روايات تزعم أن سليمان عليه السلام كان له خاتم يكمن فيه سر ملكوته فتشكل الشيطان فى هيئته مرة و أخذ الخاتم من زوجته التى كانت تحفظه بينما كان سليمان يقضى حاجته، فتسلط الشيطان على ملك سليمان و جار و ظلم، بينما كذب الناس سليمان و افتقر حتى وجد الخاتم فى جوف سمكة اصطادها يوماً ، و عاد إليه ملكه ، و من هذه الروايات ما أورده السيوطى عن قتادة و مجاهد فى الدر المنثور ، قال:{ وَقَالَ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيّه جَسَدًا " قَالَ شَيْطَانًا يُقَال لَهُ آصَف فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام كَيْفَ تَفْتِنُونَ النَّاس ؟ قَالَ أَرِنِي خَاتَمك أُخْبِرك فَلَمَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ نَبَذَهُ آصَف فِي الْبَحْر فَسَاحَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام وَذَهَبَ مُلْكه وَقَعَدَ آصَف عَلَى كُرْسِيّه وَمَنَعَهُ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ نِسَاء سُلَيْمَان فَلَمْ يَقْرَبهُنَّ وَلَمْ يَقْرَبْنَهُ وَأَنْكَرْنَهُ قَالَ فَكَانَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يَسْتَطْعِم فَيَقُول أَتَعْرِفُونَنِي ؟ أَطْعِمُونِي أَنَا سُلَيْمَان فَيُكَذِّبُونَهُ حَتَّى أَعْطَتْهُ اِمْرَأَته يَوْمًا حُوتًا فَفَتَحَ بَطْنه فَوَجَدَ خَاتَمه فِي بَطْنه فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُلْكه }
و كذا رواه عن قتادة قال {...َكَانَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُل الْخَلَاء أَوْ الْحَمَّام لَمْ يَدْخُل بِالْخَاتَمِ فَانْطَلَقَ يَوْمًا إِلَى الْحَمَّام وَذَلِكَ الشَّيْطَان صَخْر مَعَهُ وَذَلِكَ عِنْد مُقَارَفَة قَارَفَ فِيهَا بَعْض نِسَائِهِ قَالَ فَدَخَلَ الْحَمَّام وَأَعْطَى الشَّيْطَان خَاتَمه فَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْر فَالْتَقَمَتْهُ سَمَكَة وَنُزِعَ مُلْك سُلَيْمَان مِنْهُ وَأُلْقِيَ عَلَى الشَّيْطَان شَبَه سُلَيْمَان قَالَ فَجَاءَ فَقَعَدَ عَلَى كُرْسِيّه وَسَرِيره وَسُلِّطَ عَلَى مُلْك سُلَيْمَان كُلّه غَيْر نِسَائِهِ قَالَ فَجَعَلَ يَقْضِي بَيْنهمْ وَجَعَلُوا يُنْكِرُونَ مِنْهُ أَشْيَاء }.

 
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

 
لاشك عقلاً و نقلاً فى كون هذه الخرافات من أكاذيب بنى إسرائيل و أباطيلهم،و أن ابن عباس و غيره تلقوها عن مسلمة أهل الكتاب و ليس أدل على ذلك مما ذكره السيوطى فى تفسيره قال: { و أخرج عبدالرازق، و ابن منذر، عن ابن عباس قال: أربع أيات من كتاب الله لم أدر ما هى؟ حتى سألت عنهم كعب الأحبار..... و ذكر منها : و سألته عن قوله تعالى ((وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ)) قال: الشيطان أخذ خاتم سليمان عليه السلام الذى فيه ملكه، فقذف به فى البحر، فوقع فى بطن سمكة، فانطلق سليمان يطوف إلى أن تصدق عليه بتلك السمكة فاشتواها ، فأكلها ، فإذا فيها خاتمه، فرجع له ملكه} ،
و كعب الأحبار من مسلمة أهل الكتاب المشهورين بحكاية ترهات الإسرائيليات شأنه فى ذلك شأن وهب ابن منبه و غيره.

 
- و قد نوهنا مراراً أن مثل هذه الروايات - و إن وردت- عن نفر من الصحابة الكرام فهذا لا ينفى كونها نفسها من الإسرائيليات التى تناقلوها عن مسلمة أهل الكتاب، و لا حجة فى أخبار أمم السابقة إلا بما وصل إلينا صحيحاً فى كتاب الله و سنة رسول الله (ص)
و قد نبه إلى ذلك أيضاً الإمام القاضى عياض

 

 
YOUSSEF
الشبهة :

 
وردت الشبهة فى قوله تعالى ((وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ )) فزعموا أن يوسف عليه السلام عزم القيام بالفاحشة ، و ساعدهم على الإسهاب فى بهتانهم بعض الروايات الباطلة المنقولة عن مسلمة أهل الكتاب و بعض الصحابة أوردها و تبناها ابن جرير و صاحب الدر المنثور و غيرهما ، مفادها باختصار أن يوسف عليه السلام حل سراويله فصيح به: يا يوسف لا تكن كالطير له ريش فإذا زنى قعد ليس له ريش، و قيل : رأى كفاً مكتوباً عليها أيات قرأنية بالعبرية، و قيل : رأى صورة يعقوب على الحائط، بل و زعموا أنه لما لم يرعوا من رؤية صورة أبيه عاضاً على أنامله ضربه أبوه يعقوب فخرجت شهوته من أنامله !!

 
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

 
فإن هذه الروايات الباطلة لا تعدو أن تكون من أكاذيب و افتراءات الإسرائيليات و لم يصح أى من هذه الخرافات على الإطلاق على لسان رسول الله عليه الصلاة و السلام ، و إنما وردت موقوفة كما أن بعض طرقها تصل إلى وهب بن منبه و هو من مسلمة أهل الكتاب المشهورين بكثرة اسرائيلياتهم و كذا كعب الأحبار ، و كان ابن عباس و ابن عمر و غيرهم من الصحابة الكرام يحدثون عنهم أخذاً برخصة ذلك، حتى انه روى عن بعض الصحابة أنه كان يملك حمل بعيرين من كتب القوم! و هذه مسألة فصل فيها أئمة المحققين،
و قد نبه لهذا الامر ثلة من كبار المفسرين كالامام ابن كثير و القاسمى و السعدى و السنوسى و أبو السعود و الزمخشرى و غيرهم....، قال القاسمى{ هذا و قد ألصق بعض المفسرين المولعين برواية كل غث و ثمين ما تلقفوه من أهل الكتاب و بعض المتقولين من تلك الروايات الباطلة التى أنزه قلمى عن نقلها لردها، و كلها خرافات و أباطيل} و ليس أدل على بطلان هذه الرويات من تهافتها و اختلافها ، و الحق أبلج و الباطل لجلج ، و كذلك ينكشف زيفها من خلال الرواية الموضوعة الأخرى التى نسبت إلى النبى عليه الصلاة و السلام زوراً أنه لما قرأ: ((ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ)) قال: لما قال يوسف ذلك قال له جبريل: ولا يوم هممت بما همت به؟
و حاشا لله أن يكون رسول الله (ص) قد تلفظ بشىء من هذا العبث ، و هو الذى نزه اخوانه الأنبياء و أكرمهم فى كل موضع، و قال فى مديح صبريوسف على البلاء ((لو لبثت في السجن طول ما لبث ‏ ‏يوسف ‏ ‏لأجبت الداعي)) و قال عليه الصلاة و السلام عن يوسف أيضاً ((فأكرم الناس ‏ ‏يوسف ‏ ‏نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله))

 
و قد نسى من دس هذه الرواية (الموضوعة) أن قوله تعالى ((ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ)) ليست مقالة سيدنا يوسف عليه السلام و إنما هى مقالة امرأة العزيز ، و هو ما يتفق مع سياق الأية، ذلك: أن الملك لما أرسل رسوله إلى يوسف لإحضاره من السجن قال له: ارجع إلى ربك، فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهم فأحضر النسوة، و سألهن، و شهدن ببراءة يوسف، فلم تجد امرأة العزيز بداً من الإعتراف بفعلتها و أن يوسف هو الذى استعصم فلم تقع الفاحشة ((قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ )) فكل ذلك من قولها ، و لم يكن يوسف حاضراً بل كان فى السجن ، فكيف يعقل أن يصدر منه ذلك فى مجلس التحقيق الذى عقده العزيز؟

 
و قد انتصر لهذا الرأى السديد الإمام ابن تيمية و ألف فى ذلك تصنيفاً على حده، و قال الإمام ابن كثير فى تفسيره: {" ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ " تَقُول إِنَّمَا اِعْتَرَفْت بِهَذَا عَلَى نَفْسِي لِيَعْلَم زَوْجِي أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ فِي نَفْس الْأَمْر وَلَا وَقَعَ الْمَحْذُور الْأَكْبَر وَإِنَّمَا رَاوَدْت هَذَا الشَّابّ مُرَاوَدَة فَامْتَنَعَ فَلِهَذَا اِعْتَرَفْت لِيَعْلَم أَنِّي بَرِيئَة " وَأَنَّ اللَّه لَا يَهْدِي كَيْد الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي " تَقُول الْمَرْأَة وَلَسْت أُبَرِّئ نَفْسِي فَإِنَّ النَّفْس تَتَحَدَّث وَتَتَمَنَّى وَلِهَذَا رَاوَدْته لِأَنَّ " النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِم رَبِّي " أَيْ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّه تَعَالَى " إِنَّ رَبِّي غَفُور رَحِيم " وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الْأَشْهَر وَالْأَلْيَق وَالْأَنْسَب بِسِيَاقِ الْقِصَّة وَمَعَانِي الْكَلَام وَقَدْ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ فِي تَفْسِيره وَانْتُدِبَ لِنَصْرِهِ الْإِمَام أَبُو الْعَبَّاس رَحِمَهُ اللَّه فَأَفْرَدَهُ بِتَصْنِيفٍ عَلَى حِدَة وَقَدْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلَام يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام يَقُول " قَالَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ فِي زَوْجَته " بِالْغَيْبِ " الْآيَتَيْنِ أَيْ إِنَّمَا رَدَدْت الرَّسُول لِيَعْلَم الْمَلِك بَرَاءَتِي وَلِيَعْلَم الْعَزِيز " أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ " فِي زَوْجَته " بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّه لَا يَهْدِي كَيْد الْخَائِنِينَ " الْآيَة وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الَّذِي لَمْ يَحْكِ اِبْن جَرِير وَلَا ابْن أَبِي حَاتِم سِوَاهُ قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ إِسْرَائِيل عَنْ سِمَاك عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ لَمَّا جَمَعَ الْمَلِك النِّسْوَة فَسَأَلَهُنَّ هَلْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُف عَنْ نَفْسه ؟ " قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوء قَالَتْ اِمْرَأَة الْعَزِيز الْآن حَصْحَصَ الْحَقّ " الْآيَة قَالَ يُوسُف " ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ " فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام : وَلَا يَوْم هَمَمْت بِمَا هَمَمْت بِهِ ؟ فَقَالَ " وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي " الْآيَة وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعِكْرِمَة وَابْن أَبِي الْهُذَيْلِ وَالضَّحَّاك وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَالْقَوْل الْأَوَّل أَقْوَى وَأَظْهَر لِأَنَّ سِيَاق الْكَلَام كُلّه مِنْ كَلَام اِمْرَأَة الْعَزِيز بِحَضْرَةِ الْمَلِك وَلَمْ يَكُنْ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام عِنْدهمْ بَلْ بَعْد ذَلِكَ أَحْضَرَهُ الْمَلِك }

 
التفسير الصحيح للأية:

 
- بدأت الأيات الكريمات بقوله تعالى ((وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ)) قال أبو السعود: قوله (معاذ الله) يعكس تقوى قلبه و هو اجتناب منه على أتم الوجوه و إشارة إلى التعليل بأنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله تعالى للخلاص منه، و هذا من شفافية نفس يوسف الزكية فقد أراه الله القبيح فى صورته الحقيقية ، و ذلك ما يفتقر إليه الكثيرون لذا جاء فى دعاء أبى بكر الصديق رضى الله عنه ((اللهم أرنا الحق حقاً. و ارزقنا اتباعه و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه.))

 
وقوله ((إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)) فيه تمام الإعتراف بفضل الله و استحضار مراقبته و خشية عقابه لذا قال بعدها ((إنه لا يفلح الظالمين))، و قيل : الضمير يعود على العزيز و و لو كان كذلك فهو إنتقال سديد لذكر بعض أسباب الإمتناع المقنعة لامرأة العزيز ، فكيف تطلبين منى خيانة سيدى الذى أكرمنى و كفلنى فى بيته و طالبك بإكرامى و أنت زوجته؟ فكانت هذه الكلمات الموجزة أدق أرشاد لها بألطف طريقة

 
- و قوله تعالى (( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)) الهم هو أول العزيمة و أعلاه الهمة، قال البغوى: الهم همان (1) هم ثابت معه عزم و رضا و هو مذموم مأخذ به و هذا هو مقصود امرأة العزيز (2) و هم هو الخاطر و حديث النفس بغير تصميم و هو غير مأخذ به ، قال أبو السعود: { همه بها: ميله إليها بمقتضى الطبيعة البشرية ميلاً جبلياً لا يكاد يدخل تحت التكليف لا أنه قصدها قصداً إختيارياً، ...و الأنبياء ليسوا معوصومين من حديث النفس و الخواطر الجبلية و لكنهم معصومون من طاعتها و الإنقياد إليها و لو لم توجد لديهم دواعى جبلية لكانوا إما ملائكة و إما عالم أخر ، و لا يصلحون قدوة للبشر حينئذ، و لما كانوا مأجورين على ترك الملاهى لأن الترك مع وجود الداعى هو العمل المتعبد به المشتمل على جهاد النفس }

 
و قوله (هم) بعد (همت) من قبيل المشاكلة اللفظية مع اختلاف الدلالة المعنوية و هذا كقوله تعالى (( و مكروا و مكر الله )) و قوله ((و جزاء سيئة مثلها..)) و قيل: العبارة فيها تقديم و تأخيرو هو أسلوب مشهور فى لسان الكوفيين و أعلام البصريين فيكون المعنى (( لولا أن رءا برهان ربه لهم بها)) ، فقوله تعالى ((و هم بها)) جواب مقدم، قال ابن حيان و غيره: { أى قاربت الإثم لولا أن الله عصمك }

 
و معروف فى العربية أن (لولا) حرف امتناع لوجود، أى امتناع الجواب لوجود الشرط، فيكون الهم ممتنعاً لوجود البرهان الذى ركزه الله تعالى فى فطرته، و المقدم إما الجواب أو دليله على خلاف بين النحويين

 
- و قوله تعالى ((كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء )) قال العلامة أبو السعود: { هذه أية بينة و حجة قاطعة على أن يوسف لم يقع منه هم بالمعصية ولا توجه إليها قط} و لنتامل بلاغة النص القرأنى إذ لم يقل ((كذلك لنصرفه عن السوء و الفحشاء)) لأن هذا المعنى يفيد أنه ذهب إلى الفحشاء فصرفه الله عنها ، لذا قال تعالى ((كذلك لنصرف عنه السوء و الفحشاء)) و هذا دليل عدم إقدامه على السوء قط بل إن الله صرف السوء عنه,و كذلك المغايرة بين السوء و الفحشاء يبرىء يوسف من كل شبهة ، لأن الفحشاء هى الإثم الكبير و السوء لفظ أعم يضم الفواحش و غيرها، و قد أخبر الله تعالى أنه صرف عنه كليهما، فيوسف عليه السلام لم يرتكب الزنا ولا مقدماته

 
- و قوله تعالى (( إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)) دليل قاطع على أن الأنبياء الذين هم صفوة عباد الله المخلصين الطاهرين يعصمهم تعالى من إرتكاب الفواحش، و هذه الأية لا تزكى

 

 
لشبهة:

 
وردت الشبهة فى قوله تعالى عن نبيه لوط : (( قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ )) قال رسول الله (ص) : " يرحم الله لوطاً لقد كان يأوى إلى ركن شديد" فتسائلوا كيف يقصر لوط عليه السلام فى التوكل على الله تعالى؟

 
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

 
- فإن حديث رسول الله (ص) ليس عتاباً على نبى الله لوط و إنما تعجب من حاله عليه السلام إذ بحث المدد و هو لا يعلم بوجود ملائكة الرحمن معه فى بيته متشكلين فى صورة البشر
قال ابن حزم: (( ظن بعض الفرق أن ما جاء فى حديث رسول الله (ص) إنكار على لوط عليه السلام، و هذا غير صحيح إذ لا تخالف بين القولين بل كلاهما حق، لأن لوطاً عليه السلام إنما أراد منعة عادلة يمنع بها قومه مما هم عليه من فواحش من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين دون أن يتعارض هذا مع إيمانه التام بأن الله ركنه الشديد و ناصره المجيد، ولا جناح على لوط عليه السلام فى طلب قوة من الناس لقوله تعالى {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }..))
و قد طلب رسول الله (ص) من المهاجرين و الأنصار منعه حتى يبلغ رسالة ربه ، و هو أشد الناس توكلاً على الله ، لأنه لا تعارض بين التوكل و بين تحرى الأسباب و الأخذ بها.
و يؤكد هذا المعنى أيضاً الحديث الذى رواه الإمام أحمد فى مسنده عن أبى هريرة عن النبى عليه الصلاة و السلام قال: ( قال لوط لو أن لى بكم قوة أو أوى إلى ركن شديد، قال: فإنه كان يأوى إلى ركن شديد و لكنه عنى عشيرته فما بعث الله نبياً إلا فى ثروة من قومه) و زاد ابن مردويه: ( ألم تر إلى قول شعيب: ولولا رهطك لرجمناك)
- و هذا أيضاً تعريض من نبى الله لوط بالدعاء ، فهو يشهد الله على حاله راجياً خلاصه، و هذا شبيه بتعريض أيوب عليه السلام حين قال ((وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ )) و الشاهد على هذا ما جاء فى الأيات التالية من بشارة الملائكة إياه بنصر الله تعالى: ((قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ))

 
IBRAHIM

 
الشبهة الأولى:

 
زعموا أن القرأن الكريم نسب الشرك إلى إبراهيم عليه السلام فى موضعين :

 
الأول: قوله تعالى((فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ))الأنعام76

 
و الثانى: قوله عز و جل عن إبراهيم ((فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ )) الصافات88، و التنجيم محرم

 
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

 
- فإنه و الله لمن أكبر الجهل ما ظنه هؤلاء فى تلك الأيات الكريمات أنها تحكى الشرك عن نبى الله إبراهيم و العياذ بالله، و هو خليل الرحمن الذى أثنى عليه فى كل موضع من مواضع كتابه فقال ((قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ))، و قال تعالى ((وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ)) و قد ضرب الله المثل بحنيفية الخليل و أكد بالنصوص القاطعة براءته من الشرك و المشركين أبداً فقال تعالى ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )) و قال عز و جل ((وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً))، و جاءت أحاديث رسول الله (ص) منزهة لأبينا إبراهيم عن كل شائبة حتى أنه أنكر إنكاراً شديداً حين دخل الكعبة المشرفة فوجد صورة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بأيديهما الأزلام، فقال عليه السلام: (قاتلهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قط.)

 
و نبين الحق فى الأيات الكريمات على النحو الأتى:

 
1) أما الأيات فى سورة الأنعام فلا ريب أن هذا المقام ليس مقام نظر و بحث و إنما مقام مناظرة ليقيم الخليل عليه السلام الحجة علي قومه ، فأظهر موافقته لهم ظاهرياً تمهيداً لتفنيد معتقدهم تفنيداً و بيان أن هذه الكواكب النيرة لا تصلح للألوهية ولا أن تعبد مع الله عز و جل لأنها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة تطلع تارة و تأفل أخرى فتغيب عن هذا العالم و الرب تعالى لا يغيب عنه شىء ولا تخفى عليه خافية و هو الدائم الباقى بلا زوال لا إله إلا هو ولا رب سواه، و انتقل بهم من الكواكب إلى الشمس إلى القمر فلما انتفت الألوهية عن هذه الأجرام الثلاثة التى هى أنور ما تقع عليه الأبصار و تحقق الدليل القاطع على بطلان عبادتها كشف لهم إبراهيم الحق الأكيد و أعلن إخلاصه لله الواحد القهار و تبرأه التام من شركهم الباطل، (( فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ))الأنعام78

 
- و قد إبتدأ الله تعالى هذه الأيات المباركات بالثناء على نبيه قائلاً: ((وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ )) الأنعام75، فشهد سبحانه لخليله بكمال الإيمان و امتن عليه بتبصرته و إطلاعه على ما اشتمل عليه ملكوته عز و جل من الأدلة القاطعة و البراهين الساطعة فحصل اليقين و العلم التام و تمت نعمة الله ،

 
- و مما يؤكد أيضاً أنه كان فى هذا المقام مناظراً لقومه قوله تعالى فى الأيات اللاحقة ((وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ))الأنعام80

 
2) أما قوله تعالى ((فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ)) فإن أبراهيم عليه السلام لم ينظر فى النجوم إعتقاداً بها و إنما عرض بهذه الوسيلة ليتنصل من الذهاب مع معهم فى عيدهم الشركى و يتمكن من تحطيم أصنامهم، قال ابن كثير (( إِنَّمَا قَالَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِقَوْمِهِ ذَلِكَ لِيُقِيمَ فِي الْبَلَد إِذَا ذَهَبُوا إِلَى عِيدهمْ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَزِفَ خُرُوجُهُمْ إِلَى عِيدٍ لَهُمْ فَأَحَبَّ أَنَّ يَخْتَلِي بِآلِهَتِهِمْ لَيُكَسِّرَهَا فَقَالَ لَهُمْ كَلَامًا هُوَ حَقّ فِي نَفْس الْأَمْر فَهِمُوا مِنْهُ أَنَّهُ سَقِيم عَلَى مُقْتَضَى مَا يَعْتَقِدُونَهُ " فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ))
و قال قتادة: "العرب تقول لمن تفكرنظر فى النجوم" أى نظر إل السماء متفكراً فيما يلهيهم به عنه، الشاهد أنه ما إعتقد فى النجوم وما أراد إلا التحايل على المشركين كى لا يشهد أعيادهم الوثنية و ليكيد ألهتهم الباطلة
و أيضاً هذه الأيات وردت فى سياق مديح الخليل عليه السلام فابتدأها الله من ختام قصة نوح فقال تعالى((وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ *إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ... ))

 

 
الشبهة الثانية :

 
زعموا أن إبراهيم عليه السلام شك فى الإيمان لقوله تعالى((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي))

 
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

 
الجواب على ذلك من وجهين:

 
الأول: أن الإيمان ثلاثة مراتب: (1) علم اليقين (2) عين اليقين (3) حق اليقين
و نضرب مثالاً على ذلك: فلو أمن شخص إيمان يقينى لا شك فيه أن داخل الحقيبة طعاماً فهذا علم اليقين، و لو فتح الحقيبة و نظر الطعام بعينيه فهذا عين اليقين، و لو أمسك بهذا الطعام و أكل منه فهذا حق اليقين، فإبراهيم عليه السلام ما شك فى ربه أبداً و إنما أراد الإنتقال من مستوى الإستدلال إلى مستوى العيان و الإرتقاء إلى درجة أعلى من درجات الإيمان ، و هذا حال المؤمنين دائماً فى سعيهم إلى الكمال ، فالفرق بين سؤال إبراهيم و سؤال غيره، كالفرق بين سؤال موسى رؤية ربه و سؤال قومه نفس الطلب، لأن سؤال موسى كان سؤال محبة و شوق إلى الله ، أما سؤال قومه فكان سؤال ريبة و مكابرة
و قد تكفل رسول الله (ص) ببيان هذا المعنى و ذلك حين قال قوم "شك إبراهيم و لم يشك نبينا" فقال رسول الله(ص)تواضعاً " نحن أحق بالشك من إبراهيم" و النبى عليه الصلاة و السلام لا يقع منه الشك أبداً و هو القائل " لَا أَشُكّ وَلَا أَسْأَل " فكان هذا من قبيل افتراض ما لا يمكن وقوعه ليكون أبلغ فى الدلالة على المعنى المنشود و هو إستحالة وقوع الشك من إبراهيم عليه السلام
و قيل أن المراد :نحن أشد إشتياقاً إلى رؤية ذلك من إبراهيم، و قيل : معناه هذا الذى ترون أنه شك نحن أحق به لأنه طلب لمزيد البيان لا ريبة فى الرحمن الوجه الثانى: أن الشك مراد به الخواطر التى لا تثبت لا معنى التوقف بين أمرين ، لأن الأخير منفى بالنصوص القاطعة فى الكتاب و السنة و إجماع الأمة، أما الأول فهو من دلائل صريح الإيمان كما جاء فى الحديث أن بعض الصحابة قالوا للنبى عليه السلام: ((إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال : "وقد وجدتموه؟" قالوا : نعم. قال" ذاك صريح الإيمان".))

 

 
الشبهة الثالثة:

 
طعنوا فى عصمة نبى الله إبراهيم لقول رسول الله(ص) : "لم يكذب إبراهيم النبي، عليه السلام، قط إلا ثلاث كذبات. ثنتين في ذات الله. قوله : إني سقيم. وقوله : بل فعله كبيرهم هذا. وواحدة في شأن سارة"
و قوله عليه السلام فى حديث الشفاعة: "فيأتون إبراهيم فيقولون : يا إبراهيم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات ، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، "

 
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

 
- كما هو واضح لكل ذى لب فإن هذه الشبهة لا تستحق عناء الرد عليها، و لكننى تعمدت أن أذكرها لأنها دليل عصمة إبراهيم عليه السلام، فهذه الكذبات الثلاثة سيعدها الخليل ذنوباً إرتكبها حين يُسئل الشفاعة يوم القيامة، و هذا الحصر ينفى عنه أى خطيئة أخرى ، زد على هذا أنها ليست ذنوباً فى حقيقة الأمر، فتالله أى إنسان هذا الذى لم يكذب فى حياته كلها إلا ثلاث كذبات، كلهن من قبيل التعريض و اثنتان منهم فى ذات الله ؟!

 
فالأولى قوله(إنى سقيم) و هو يحتمل معانى كثيرة منها: إني سقيم أي سأسقم واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيرا , ويحتمل أنه أراد إني سقيم بما قدر علي من الموت أو سقيم الحجة على الخروج معكم...إلخ

 
والثانية قوله : ( بل فعله كبيرهم ) قال القرطبي هذا قاله تمهيدا للاستدلال على أن الأصنام ليست بآلهة وقطعا لقومه في قولهم إنها تضر وتنفع , وهذا الاستدلال يتجوز فيه الشرط المتصل , ولهذا أردف قوله : ( بل فعله كبيرهم ) بقوله : ( فاسألوهم إن كانوا ينطقون )، و قال ابن قتيبة معناه إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم هذا , فالحاصل أنه مشترط بقوله : ( إن كانوا ينطقون ) أو أنه أسند إليه ذلك لكونه السبب .

 
و الثالث قوله عن ساره أنها أخته و هو أيضاً تعريض صحيح لانه أخوها فى الدين كما قال فى الحديث: (فأتى ‏ ‏سارة ‏ ‏قال يا ‏ ‏سارة ‏ ‏ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي...الحديث)

 

 
ADAM
الشبهة الأولى:

 
أثيرت حول مخالفة أدم عليه السلام لأمر الله و أكله من الشجرة ،قال تعالى((وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)). فقال المعترض: " العصيان من الكبائر بدليل قوله: ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم)

 
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

 
فإن قصر المعصية على الكبائر دون الصغائر باطل بشهادة جمهور العلماء،لان العصيان هو مخالفة الأوامر سواء كانت صغيرة او كبيرة، و الإستشهاد بقوله تعالى (( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم)) هو استشهاد فاسد لأن اطلاق اللفظ على كبائر الذنوب لا ينفى اطلاقه على صغارها، و مثال ذلك قوله تعالى ((الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ)) روى الإمام أحمد عن عَبْد اللَّه بن عباس قَال: { لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانهمْ بِظُلْمٍ " شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاس فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه أَيّنَا لَمْ يَظْلِم نَفْسه ؟ قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ الْعَبْد الصَّالِح " يَا بُنَيّ لَا تُشْرِك بِاَللَّهِ إِنَّ الشِّرْك لَظُلْم عَظِيم" إِنَّمَا هُوَ الشِّرْك}

 

 
NOE
ما ورد فى كتاب الله عن قول نوح عليه السلام: (( وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالاً ))
فتسائلوا كيف يدعوا نوح على الناس بالضلال؟

 
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

 
إن نوحاً عليه السلام لم يدعوا على الناس بالضلال و إنما دعا على الظالمين منهم الذين استكبروا و صدوا عن سبيل الله ، و من المعلوم أنه لم يمض نبياً فى دعوة قومه زمناً مثل الذى قضاه نوح عليه السلام ، قال تعالى ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً..)) فما أصبر نبى الله نوح و قد وصفه تعالى قائلاً: (( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً *فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً *وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً *ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً *ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً ))
و استمر نوح عليه السلام مجداً مخلصاً فى دعوة قومه و هدايتهم حتى أخبره الله تعالى أنه لن يؤمن معه إلا من أمن (( وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ))
فحينها تيقن نوح من خبث هؤلاء الكافرين و أن فسقهم ران على قلوبهم فاستنصر ربه و دعا عليهم ليجزيهم بما يستحقوا على مشاقاتهم لله و رسوله و محاربة المؤمنين فقال (( وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً *إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً )) و قال عنهم (( وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالاً ))
و بهذا كانت هذه دعوة حق فى موقف حق و عن سابق خبر من الله تعالى فما كان من العزيز الحكيم إلا أن إستجاب لدعوة نبيه ((وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ))
و هذا هو الثابت أيضاً فى الكتاب المقدس إذ أخبر الرب نوحاً بمصير قومه فأمره بصنع الفلك و جعل عهده مع نسله(( تكوين13:6-18))
بل و وصل شر الناس إلى درجة جعلت الرب يندم و يتأسف على خلق الإنسان(بزعمهم) ((تكوين 5:6-8))

 

 
الشبهة الثانية:

 
وردت شبهة حول قوله تعالى: ((وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ *قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ))
و كانت الشبهة من شقين:

 
أ- الاول أن نوحاً طلب من الله ما لا يجوز طلبه و هو انقاذ ابنه مع أن الله تعالى قال ((ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا..))

 
ب- الثانى فى قوله (( يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ )) فزعموا أن ذلك إشارة إلى ارتكاب زوجة نوح الفاحشة و أن ذلك الولد الغارق هو ابن غير شرعى لها و فى سبيل تمرير هذا البهتان استدلوا بغير دليل و هو قوله تعالى (( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ))

 
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

 
أولا: إن نوحاً عليه السلام ما قصد برجاءه مخالفة أمر ربه عز وجل و إنما اجتهد فى تأويل قوله تعالى ((قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ )) فظن نبى الله نوح أن ابنه داخل فى أهله و نسى قوله تعالى ((إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ )) و هذا بدافع رقة قلبه و عاطفة الأبوة الفطرية قال الامام ابن كثير : {هَذَا سُؤَال اِسْتِعْلَام وَكَشْف مِنْ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام عَنْ حَال وَلَده الَّذِي غَرِقَ" قَالَ رَبّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِيّ " أَيْ وَقَدْ وَعَدْتنِي بِنَجَاةِ أَهْلِي وَوَعْدك الْحَقّ الَّذِي لَا يُخْلَف فَكَيْفَ غَرِقَ وَأَنْتَ أَحْكُم الْحَاكِمِينَ ؟ } لكن حين نبهه الله تعالى إلى حقيقة الأمر أناب إلى ربه قائلاً: ((قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ )) فباركه الله تعالى الله و أيده و منحه السلام عز و جل((قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ))

 
-ثانيا: و أما من زعم أن قوله تعالى (( إنه ليس من أهلك)) يعنى أنه ليس ابنه حقيقة و إنما ابن زنى و العياذ بالله ، فهذا قول باطل و إن خُكى عن بعض السلف لأنه من الأخبار فلا تقام بها حجة إلا إن ورد عن رسول الله (ص)، و لم يرد مثل هذا على لسان الصادق المصدوق و قوله الحق عليه الصلاة و السلام، و قد أنكر أئمة أهل السنة هذا الرأى و فندوه لأن الله تعالى عصم أعراض أنبياءه أيضاً - و يؤكد ذلك الأيات البينات التى أنزلها تعالى فى حادثة الإفك- فلا يمكن أن تركتب زوجة نبى الفاحشة أبداً حتى و إن كفرت.
قال الإمام ابن كثير ( و قد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب فى تفسير هذا إلى أنه ليس بإبنه ) و قال أيضاً: ( وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْر وَاحِد مِنْ السَّلَف مَا زَنَتْ اِمْرَأَة نَبِيّ قَطُّ قَالَ : وَقَوْله " إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلك " أَيْ الَّذِينَ وَعَدْتُك نَجَاتهمْ وَقَوْل اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا هُوَ الْحَقّ الَّذِي لَا مَحِيد عَنْهُ فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه أَغْيَر مِنْ أَنْ يُمَكِّن اِمْرَأَة نَبِيّ مِنْ الْفَاحِشَة وَلِهَذَا غَضِبَ اللَّه عَلَى الَّذِينَ رَمَوْا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة بِنْت الصِّدِّيق زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْكَرَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهَذَا وَأَشَاعُوهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْر لَكُمْ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اِكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْم وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ لَهُ عَذَاب عَظِيم - إِلَى قَوْله - إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْم وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا , وَهُوَ عِنْد اللَّه عَظِيم )
و كان ابن عباس يقول : ( من قال أنه ليس ابن نوح فقد كذب بالقرأن ألم تقرأوا قوله تعالى "وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ " )

 
-و أما نسبة الخيانة إلى امرأتى نوح و لوط بقوله تعالى فى سورة التحريم ((فخانتاهما)) ، فالمراد به هنا الخيانة فى الإيمان لا فى العرض لأنهما كفرتا بالله تعالى و هذا كقوله تعالى (( وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )) و كقوله تعالى (( ولا تكن للخائنين خصيما))
قال الإمام ابن كثير: ((" فَخَانَتَاهُمَا" أَيْ فِي الْإِيمَان لَمْ يُوَافِقَاهُمَا عَلَى الْإِيمَان وَلَا صَدَقَاهُمَا فِي الرِّسَالَة فَلَمْ يَجِد ذَلِكَ كُلّه شَيْئًا وَلَا دَفَعَ عَنْهُمَا مَحْذُورًا وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّه شَيْئًا " أَيْ لِكُفْرِهِمَا " وَقِيلَ " لِلْمَرْأَتَيْنِ" اُدْخُلَا النَّار مَعَ الدَّاخِلِينَ " وَلَيْسَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ" فَخَانَتَاهُمَا " فِي فَاحِشَة بَلْ فِي الدِّين فَإِنَّ نِسَاء الْأَنْبِيَاء مَعْصُومَات عَنْ الْوُقُوع فِي الْفَاحِشَة لِحُرْمَةِ الْأَنْبِيَاء كَمَا قَدَّمْنَا فِي سُورَة النُّور قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة عَنْ سُلَيْمَان بْن قَرْم سَمِعْت اِبْن عَبَّاس يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة " فَخَانَتَاهُمَا " قَالَ مَا زَنَتَا أَمَّا خِيَانَة أَمْرَأَة نُوح فَكَانَتْ تُخْبِر أَنَّهُ مَجْنُون وَأَمَّا خِيَانَة اِمْرَأَة لُوط فَكَانَتْ تَدُلّ قَوْمهَا عَلَى أَضْيَافه وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ كَانَتْ خِيَانَتهمَا أَنَّهُمَا كَانَتَا عَلَى غَيْر دِينهمَا فَكَانَتْ اِمْرَأَة نُوح تَطَّلِع عَلَى سِرّ نُوح فَإِذَا آمَنَ مَعَ نُوح أَحَدٌ أَخْبَرَتْ الْجَبَابِرَة مِنْ قَوْم نُوح بِهِ وَأَمَّا اِمْرَأَة لُوط فَكَانَتْ إِذَا أَضَافَ لُوط أَحَدًا أَخْبَرَتْ بِهِ أَهْل الْمَدِينَة مِمَّنْ يَعْمَل السُّوء وَقَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس مَا بَغَتْ اِمْرَأَة نَبِيّ قَطُّ إِنَّمَا كَانَتْ خِيَانَتهمَا فِي الدِّين وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمْ ))

 
فبين لهم رسول الله أن الظلم المقصود فى الأية هو الشرك و ليس صغائر الذنوب التى لا يخلوا منها أحد، مع أن المعنيين دل عليهما لفظ واحد (الظلم)
و معصية ابينا أدم كانت غفلة ليس أكثر بدليل قوله تعالى((وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)) فبين لنا تعالى أن معصية أدم كانت بسبب النسيان و ضعف العزيمة و لم تصدر عن عمد و استكبار، كما أن أدم لم يكن له عهد بالمعاصى و لا خبرة له بحيل الشيطان لذا فعندما جاءه الشيطان و أقسم بالله أنه له من الناصحين انخدع أدم بكلامه ((وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ))
;قال ابن عباس: بعد أن عاتب الله تعالى أدم فقال "أما كان فيما منحتك من الجنة و أبحتك منها من دوحة عما حرمت عليك؟" فقال أدم: "بلى رب و لكن و عزتك ما حسبت أن أحداً يحلف بك كذباً
.و قد بادر نبى الله أدم بالتوبة (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .و غفر الله تعالى له (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
و بهذا يتبين أن ما صدر من أدم عليه السلام ما كان إلا زلة سرعان ما تاب منها و اناب إلى ربه فتقبله سبحانه و تاب عليه

 
الشبهة الثانية

 
ادعى المبطلون أن ميراث الخطيئة ثابت فى القرأن و السنة ، لقوله تعالى ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)) و لقول رسول الله (ص) فى الحديث: (فجحد فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته)
فزعموا أن الله أخذ الميثاق من أدم نيابة عن ذريته،و أن الحديث يفيد توريث الخطيئة
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

 
أ) اما الأية الكريمة فما قالت أن الله أخذ الميثاق من ادم بالنيابة عن ذريته، فهذا صرف للأية عن ظاهرها بغير صارف، اللهم إلا أهواء النصارى!
والأية صريحة العبارة بأن الرب أخرج ذرية ادم من ظهره بالفعل و أشهدهم على انفسهم، وهو ما اكدته الأحاديث المتواترة منها:

 
قال رسول الله (ص): ((لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ثم جعل بين عيني كل إنسان كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء قال: هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم أعجبه نور ما بين عينيه فقال: أي رب من هذا؟ قال: رجل من ذريتك في آخر الأمم يقال: له داود قال: أي رب كم عمره؟ قال: ستون سنة قال فزده من عمري أربعين سنة قال: إذن يكتب ويختم ولا يبدل فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت فقال: أولم يبقى من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟ فجحد فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته))

 
و روى الْإِمَام أَحْمَد عَنْ أَنَس بْن مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ(( يُقَال لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْل النَّار يَوْم الْقِيَامَة أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَك مَا عَلَى الْأَرْض مِنْ شَيْء أَكُنْت مُفْتَدِيًا بِهِ قَالَ : فَيَقُول نَعَمْ فَيَقُول قَدْ أَرَدْت مِنْك أَهْوَن مِنْ ذَلِكَ قَدْ أَخَذْت عَلَيْك فِي ظَهْر آدَم أَنْ لَا تُشْرِك بِي شَيْئًا فَأَبَيْت إِلَّا أَنْ تُشْرِك بِي )) أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث شُعْبَة بِهِ

 
و روى الإمام أحمد و النسائى عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (( إِنَّ اللَّه أَخَذَ الْمِيثَاق مِنْ ظَهْر آدَم عَلَيْهِ السَّلَام بِنَعْمَان يَوْم عَرَفَة فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبه كُلّ ذُرِّيَّة ذَرَأَهَا فَنَثَرَهَا بَيْن يَدَيْهِ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا قَالَ " أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا - إِلَى قَوْله " الْمُبْطِلُونَ ))و غير ذلك كثير مما أورده العلامة ابن كثير فى تقسيره و لله الحمد و المنة.

 
ب) و اما قول رسول الله فى أخر الحديث: ((فجحد فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته)) فهو لا يفيد توريث الخطيئة و إنما توريث الطباع، و الفارق بينهما كبير، فهذه الصفات هى من طبيعة الانسان التى خلقه الله تعالى عليها، فكل الناس ينسون و يجحدون و يخطئون لانهم خلقوا ضعافاً كما قال تعالى ((وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً )) و كما قال رسول الله (ص): (( كل إبن أدم خطاء و خير الخطائين التوابون))
و لكن لا يرث احدهم خطيئة اخر ولا يرث الإنسان جحود أخر!، فكل إنسان يتحمل خطأه هو و القاعدة القرأنية المحكمة ((أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)) و قوله تعالى ((وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ)) و قوله سبحانه ((فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ))
و حسبنا فى الرد على من يعتقدون ان الطفل البرىء يولد ملطخاً بخطيئة أدم و يريدون إلصاق ذلك العبث كرهاً بالإسلام ان نذكر نيفاً من كلمات رسول الله (ص) فى وصف من تطهر من كل الذنوب و الأثام:
((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه))
((أن الله يقول إني إذا ابتليت عبدا من عبادي مؤمنا فحمدني على ما ابتليته فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا، ))
((لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثا حكما يصادف حكمه وملكا لا ينبغي لأحد من بعده وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما اثنتان فقد أعطيهما وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة))

 
و من الجدير أن نشير ههنا إلى أمر هام و هو أن خروج أبينا أدم من الجنة ما كان فقط بسبب زلته هذه ، و لكن أيضاً لأن الله تعالى قدر منذ القدم أن يبتلى الإنسان باستخلافه فى الأرض ، كى يعمرها بالتوحيد و يعبده فيها بظاهر الغيب ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ))
و ليتم بذلك إختبار الإيمان على الإنس و الجن، قال سبحانه(( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ))،و قال عز و جل ((الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ )) و قال تعالى (( الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون))
و من أدلة ذلك حديث محاجاة أدم موسى عليه السلام، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (( ‏ ‏احتج ‏ ‏آدم ‏ ‏وموسى ‏ ‏فقال له ‏ ‏موسى ‏ ‏يا ‏ ‏آدم ‏ ‏أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة قال له ‏ ‏آدم ‏ ‏يا ‏ ‏موسى ‏ ‏اصطفاك ‏ ‏الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة ‏ ‏فحج ‏ ‏آدم ‏ ‏موسى ‏ ‏فحج ‏ ‏آدم ‏ ‏موسى فحج أدم موسى فحج أدم موسى))
و من المعلوم أنه لا يجوز الإحتجاج بالقدر لتبرير المعصية و إنما يجوز ذلك فى تعليل الإبتلاء

 
العجيب أننا نقرأ فى القصة التوراتية أن أدم ما كان يعلم الفرق بين الطاعة و المعصية لأن الشجرة التى أكل منها هى نفسها (شجرة معرفة الخير و الشر) ، فكيف يعاتب على شىء ما كان يعلم أنه شر؟؟

 
الشبهة الثالثة

 
أوردوا شبهة حول قول الله تعالى ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ*فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ))
فزعموا أن الأية القرأنية تتهم أدم عليه السلام بالشرك و اعتمدوا فى ذلك على بعض المروايات التى وردت عن بعض الصحابة و التابعين، و مفادها أن حواء ما كان يعيش لها ولد فطاف بها ابليس و قال سميه عبد الحارث فيحييى، ففعلت كما أمرها!
و لم يقف الأمر عند هذا الحد بل رفع البعض هذه الرواية (زوراً) إلى النبى عليه السلام
بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

 
يبدو أن النصارى لم يكتفوا بتكفير الأنبياء فى كتبهم أمثال هارون الذى صنع العجل و سليمان الذى عبد الأصنام و شاول الذى مات منتحراً، فأرادوا بث سمومهم فى الإسلام دين الطهارة و الشرف من خلال مثل هذه الشبهات المريضة ،
فنحمد الله الذى رد كيدهم إلى هذا،إذ أن هذه الرواية باطلة مردودة من جهة العقل و النقل

 
من جهة العقل:

 
1) ثبت بالنصوص القاطعة فى كتاب الله أن أدم عليه السلام من صفوة عباد الله المقربين فى الدنيا و الأخرة كقوله تعالى : ((إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ))، و قال عز و جل فى ثناء نبيه أدم (( ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)) و فى هذه الأية ثلاثة تزكيات لأدم عليه السلام الأولى اصطفاءه بقوله (ثم اجتباه ربه) و الثانية التوبة عليه بقوله( فتاب عليه) و الثالثة هدايته ( و هدى) و من يهده الله فلا مضل له، فكيف يقال بعد ذلك لأن الشيطان أضل أدم عليه السلام؟

 
2) صح عن النبى عليه الصلاة و السلام الأحاديث الجازمة فى أن أدم عليه السلام من السادة المقربين السابقين من ذلك:

 
أ- فى قصة الاسراء و المعراج صلى حين أمّ رسول الله (ص) كل الأنبياء فى بيت المقدس جاء فى الحديث {.....و لما انصرفت قال جبريل: يا محمد أتدرى من صلى خلفك؟ قال قلت :لا، قال:صلى خلفك كل نبى بعثه الله عز و جل، قال: ثم أخذ بيدى جبريل فصعد بى إلى السماء فلما انتهينا إلى الباب استفتح فقالوا :من أنت؟ قال جبريل، قالوا و من معك؟ قال محمد، قالوا: و قد بعث إليهم؟ قال نعم، قال: ففتحوا له و قالوا مرحباً بك و بمن معك، قال: فلما استوى على ظهرها إذا فيها أدم فقال جبريل:يا محمد ألا تسلم على أبيك أدم؟قال: قلت بلى، فأتيته فسلمت عليه، فرد على و قال: مرحباً بابنى الصالح و النبى الصالح...} فدل هذا الحديث على مكانة أدم عليه السلام إذ كان ضمن الأنبياء الذين صلى بهم رسول الله ، و كان أول الأنبياء الذين التقاهم رسول الله (ص) فى سماء الرحمن و سلم عليه و جبريل .

 
ب- و ضمن حديث الشفاعة قال رسول الله (ص): ((... فيقول بعض الناس : أبوكم آدم، فيأتونه فيقولون : يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول : ربي غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، ))
فهذا الحديث أكبر دليل على أن أدم ما اخطأ إلا حين أكل من الشجرة، و لو كان قد أشرك بالله (و حاشاه) لكان من غير المعقول أن يخشى غضب الله على زلة بسيطة تاب الله عليه منها، و لا يذكر ذنب الشرك الذى هو أعظم الذنوب المخرج من الملة بالكلية!!

 
3) قال رسول الله (ص): { لما خلق الله أدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة, و جعل بين عينى كل منهم وبيصا من النور ثم عرضهم على أدم فقال أى رب من هؤلاء؟ قال: هم ذريتك فرأى رجل منهم فأعجبه ما بين عينيه فقال: أى رب من هذا؟ قال: هذا رجل من أخر الأمم من ذريتك يقال له داوود ...الحديث }
و هذا الحديث يؤكد أن الله أطلع أدم على ذريته و عرفهم، فكيف يشرك أدم بالله كى يعيش له ولد و قد اطلع على كل ذريته و علم بخبرهم إلى يوم القيامة؟؟

 
من جهة النقل :

 
1) جاءت هذه الرواية موقوفة على الصحابة و من المعلوم أن ما يُروى موقوفاً على الصحابة أو التابعين من أخبار الأمم السابقة لا حجة به على الشريعة إن خالفها لأنه فى الأغلب الأعم يكون منقولاً من الإسرائيليات و من مسلمة أهل الكتاب أخذاً برخصة التحديث عنهم و هذا ما قرره أعلام الأئمة المحققين كالقرطبى و ابن تيمية و السعدى و ابن كثير و غيرهم...خاصة و أنها رويت عن أبى بن كعب رضى الله عنه و هو مشهور بالإسرائيليات، قال ابن كثير:((وَهَذِهِ الْآثَار يَظْهَر عَلَيْهَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّهَا مِنْ آثَار أَهْل الْكِتَاب وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ" إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْل الْكِتَاب فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ" ثُمَّ أَخْبَارهمْ عَلَى ثَلَاثَة أَقْسَام فَمِنْهَا مَا عَلِمْنَا صِحَّته بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيل مِنْ كِتَاب اللَّه أَوْ سُنَّة رَسُوله وَمِنْهَا مَا عَلِمْنَا كَذِبه بِمَا دَلَّ عَلَى خِلَافه مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة أَيْضًا وَمِنْهَا مَا هُوَ مَسْكُوت عَنْهُ فَهُوَ الْمَأْذُون فِي رِوَايَته بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام " حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَلَا حَرَج " وَهُوَ الَّذِي لَا يُصَدَّق وَلَا يُكَذَّب لِقَوْلِهِ " فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ " وَهَذَا الْأَثَر هُوَ الْقِسْم الثَّانِي أَوْ الثَّالِث فِيهِ نَظَر فَأَمَّا مَنْ حَدَّثَ بِهِ مِنْ صَحَابِيّ أَوْ تَابِعِيّ فَإِنَّهُ يَرَاهُ مِنْ الْقِسْم الثَّالِث))

 
-أما رفع هذه الرواية إلى رسول الله (ص) فهو لا يصح أبداً و قد رويت من طريق عَبْد الصَّمَد عن عُمَر بْن إِبْرَاهِيم عن قَتَادَة عَنْ الْحَسَن عَنْ سَمُرَة، و قد فنده الامام ابن كثير فقال: هَذَا الْحَدِيث مَعْلُول مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُه
" أَحَدهَا " أَنَّ عُمَر بْن إِبْرَاهِيم هَذَا هُوَ الْبَصْرِيّ وَقَدْ وَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ لَا يُحْتَجّ بِهِ .
" الثَّانِي " أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ قَوْل سَمُرَة نَفْسه لَيْسَ مَرْفُوعًا كَمَا قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا بَكْر بْن عَبْد اللَّه بْن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَنْ أَبِي الْعَلَاء بْن الشِّخِّيرِ عَنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب قَالَ : سَمَّى آدَم اِبْنه عَبْد الْحَارِث .
الثَّالِث " أَنَّ الْحَسَن نَفْسه فَسَّرَ الْآيَة بِغَيْرِ هَذَا فَلَوْ كَانَ هَذَا عِنْده عَنْ سَمُرَة مَرْفُوعًا لَمَا عَدَلَ عَنْهُ

 
التفسير الصحيح للأية :

 
الحق فى هذه الأية الكريمة هو ما ذهب إليه الحسن البصرى رضى الله عنه و تابعه فيه الأئمة الأكابر ، قال ابن كثير: ((لَيْسَ الْمُرَاد مِنْ هَذَا السِّيَاق آدَم وَحَوَّاء وَإِنَّمَا الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ ذُرِّيَّته وَلِهَذَا قَالَ اللَّه " فَتَعَالَى اللَّه عَمَّا يُشْرِكُونَ " ثُمَّ قَالَ فَذَكَرَ آدَم وَحَوَّاء أَوَّلًا كَالتَّوْطِئَةِ لِمَا بَعْدهمَا مِنْ الْوَالِدَيْنِ وَهُوَ كَالِاسْتِطْرَادِ مِنْ ذِكْر الشَّخْص إِلَى الْجِنْس كَقَوْلِهِ " وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيح " الْآيَة وَمَعْلُوم أَنَّ الْمَصَابِيح وَهِيَ النُّجُوم الَّتِي زُيِّنَتْ بِهَا السَّمَاء لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي يُرْمَى بِهَا وَإِنَّمَا هَذَا اِسْتِطْرَاد مِنْ شَخْص الْمَصَابِيح إِلَى جِنْسهَا وَلِهَذَا نَظَائِر فِي الْقُرْآن وَاَللَّه أَعْلَم.))

و قال السعدى رحمه الله: ( هذا انتقال من العين إلى الجنس، فاول الكلام عن أدم ثم انتقل الكلام فى الجنس ولا شك أن هذا موجود فى الذرية كثيراً فلذلك قررهم الله على بطلان الشرك ، و أنهم فى ذلك ظالمون أشد الظلم،سواء كان الشرك فى الأقوال أم الأفعال،فإن الله هو الخالق لهم من نفس واحدة، الذى خلق منها زوجها و جعل لهم من أنفسهم أزواجاً، ثم جعل بينهم مودة و رحمة ،مايسكن بعضهم إلى بعض و يألفه و بتلذذ به، ...ثم أوجد الذرية فى بطون الأمهات، وقتاً موقوتاً تتشوق إليه نفوسهم و يدعون الله أن يخرجه سوياً صحيحاً، فأتم الله عليهم نعمته و مع ذلك ظهر منهم من أشرك به سبحانه!) و لذا حدثهم الله فى ختام الأية بصفة الجمع فقال (فتعالى الله عما يشركون) ، و هذا بين ظاهر فى تكملة الأيات أيضاً إذ قال الله تعالى فى الأيات اللاحقة: ((أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ*وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ*وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ

Open source productions